بين صمت بعض المؤسسات، وضعف الترافع، وتراجع الحضور في الملفات المصيرية، يبرز سؤال جوهري: من يحمل اليوم صوت الجالية المغربية بالخارج إلى دوائر القرار؟

ليست المشكلة في كثرة المؤسسات والجمعيات التي تحمل أسماء براقة وشعارات جذابة، بل في مدى قدرتها على تحويل هذا الحضور التنظيمي إلى قوة اقتراحية وترافعية حقيقية، قادرة على التأثير في السياسات العمومية والدفاع عن مصالح المغاربة المقيمين بالخارج.

فكما يطرح المواطن المغربي داخل الوطن أسئلة مشروعة حول أداء ممثليه في البرلمان، يحق لمغاربة العالم، وهم جزء لا يتجزأ من الوطن، أن يتساءلوا بدورهم عن حصيلة المؤسسات والجمعيات التي يُفترض أن تدافع عن قضاياهم، وتنقل انشغالاتهم، وتواكب التحولات القانونية والسياسية التي تمس حياتهم ومستقبل أبنائهم.

من النوم تحت قبة البرلمان إلى الغياب في ساحات الترافع

في المغرب، كثيراً ما يُستعمل تعبير “النوم في البرلمان” لوصف غياب بعض المنتخبين عن انتظارات المواطنين، أو ابتعادهم عن الأدوار الرقابية والتشريعية التي انتُخبوا من أجلها، لكن المفارقة أن صورة الغياب هذه تجد، في نظر عدد من أفراد الجالية، ما يشبهها في بعض الهيئات والجمعيات العاملة في مجال شؤون مغاربة العالم.

فبينما تتغير قوانين الهجرة والإقامة، وتتصاعد النقاشات الأوروبية حول الاندماج ولمّ الشمل والحماية الاجتماعية والحقوق الأساسية، تظل الحاجة قائمة إلى أصوات منظمة، تتابع المستجدات، وتقدم المعطيات الدقيقة، وتخاطب المؤسسات المعنية بلغة القانون والحجة والمصلحة المشتركة.

ولا يتعلق الأمر بإصدار البيانات عند وقوع الأزمات فحسب، ولا بتنظيم اللقاءات الموسمية التي تنتهي بانتهاء الصور والتصريحات، بل ببناء عمل مؤسساتي مستمر، قائم على المتابعة والتنسيق والضغط المشروع، وتقييم النتائج أمام الرأي العام.

فالجالية لا تحتاج إلى من يتحدث باسمها في المناسبات فقط، بل إلى من يشتغل من أجلها عندما تكون القضايا معقدة، والملفات شائكة، والنتائج بطيئة.

الجالية ليست تحويلات مالية ولا رصيداً رمزياً، لقد تجاوزت الجالية المغربية بالخارج مرحلة اختزال علاقتها بالوطن في التحويلات المالية والاستثمار والمساهمة في التنمية. فمغاربة العالم مواطنون لهم حقوق ومصالح وانتظارات، ولهم أيضاً كفاءات علمية ومهنية واقتصادية وثقافية يمكن أن تشكل رافعة استراتيجية للمغرب.

ومن ثم، فإن التعامل مع الجالية بمنطق الاستدعاء عند الحاجة، أو الاحتفاء بها في المناسبات الوطنية، دون توفير قنوات فعالة للمشاركة والتأثير في القرارات التي تعنيها، يطرح إشكالاً حقيقياً حول طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تجمعها بمؤسسات بلدها الأصلي.

إن المواطنة لا تُقاس بحجم التحويلات، كما أن الانتماء لا ينبغي أن يكون مشروطاً بمدى الاستعداد للمساهمة المالية، فالعلاقة بين الدولة ومواطنيها بالخارج يجب أن تقوم على الثقة المتبادلة، والحقوق والواجبات، والإنصات، والتمثيل الفعلي، والمحاسبة.

ومن هنا، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى قدرة الهيئات المكلفة بقضايا مغاربة العالم، والجمعيات التي تتصدر المشهد باسمهم، على تحويل هذه المبادئ إلى ممارسات ملموسة.

اين الترافع حين تتعارض المصالح وتشتد التحديات؟

إن الدفاع عن قضايا الجالية يتطلب فهماً دقيقاً للبيئة القانونية والسياسية في بلدان الإقامة، ومعرفة بالمؤسسات التي تصنع القرار، وقدرة على بناء التحالفات والتواصل مع البرلمانيين والمنتخبين والنقابات ومنظمات المجتمع المدني.

ففي هولندا، كما في غيرها من الدول الأوروبية، لا يمكن معالجة الملفات المرتبطة بالإقامة ولمّ الشمل والاندماج ومكافحة التمييز بمجرد رفع الشعارات أو إطلاق التصريحات. هذه القضايا تحتاج إلى متابعة تشريعية، واستشارات قانونية موثوقة، وتوثيق للوقائع، وتنسيق مع الجهات المختصة، وترافع يستند إلى الأدلة ويحترم الأطر القانونية والمؤسساتية.

وفي المقابل، تحتاج المؤسسات المغربية المعنية بمغاربة العالم إلى تواصل أكثر انتظاماً مع الجمعيات الجادة والكفاءات والخبراء وأفراد الجالية، حتى لا تبقى القرارات والسياسات بعيدة عن الواقع اليومي للمواطنين في بلدان الإقامة.

ولا ينبغي أن يتحول الترافع إلى مواجهة مجانية مع مؤسسات دول الإقامة، أو إلى مزايدات سياسية لا تخدم مصالح المعنيين، فالدبلوماسية الناجحة تقوم على معرفة دقيقة بالملفات، وخطاب مسؤول، وشراكات مدروسة، ومطالب واضحة يمكن الدفاع عنها قانونياً ومؤسساتياً.

لكن الدبلوماسية لا تعني الصمت، كما أن الحفاظ على العلاقات الجيدة لا يبرر إهمال المطالب المشروعة، وبين الحدة غير المحسوبة والصمت غير المبرر، توجد مساحة واسعة للترافع المهني الذي يحمي الحقوق ويصون المصالح.

الجمعيات بين شرعية التمثيل وواجب المحاسبة

ليس من الإنصاف وضع جميع الجمعيات والمؤسسات في سلة واحدة. فهناك فعاليات مدنية تشتغل بإمكانات محدودة، وتقدم خدمات فعلية للمهاجرين، وتواكب الحالات الاجتماعية والقانونية، وتدافع عن المتضررين بعيداً عن الأضواء.

غير أن وجود هذه المبادرات الجادة لا يمنع طرح الأسئلة بشأن الجهات التي تقدم نفسها باعتبارها ممثلة للجالية، أو التي تستفيد من فرص الدعم والشراكة والتمثيل المؤسساتي.

ما حصيلة عملها؟ ما الملفات التي تابعتها؟ ما المطالب التي رفعتها؟ ما الجهات التي تواصلت معها؟ وما النتائج التي تحققت لفائدة المواطنين؟

هذه ليست أسئلة عدائية، بل هي من صميم الحكامة الجيدة والعمل المدني المسؤول.

فشرعية التمثيل لا تُكتسب بمجرد تأسيس جمعية، ولا تُمنح بصورة دائمة بسبب الأقدمية أو الحضور في اللقاءات الرسمية، إنها مسؤولية تتجدد من خلال العمل والشفافية والإنصات والقدرة على تقديم نتائج قابلة للتقييم.

كما أن تعدد الجمعيات لا يعني بالضرورة تعدد الأصوات المؤثرة؛ فقد يؤدي غياب التنسيق وتضارب الأولويات إلى تشتيت الجهود، وإضعاف الملفات، وفتح المجال أمام تمثيل لا يعكس بالضرورة تنوع الجالية وتطلعاتها.

والمطلوب ليس إقصاء الجمعيات أو التشكيك في العمل المدني، بل تطويره، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإرساء ثقافة مؤسساتية تجعل النتائج أهم من الألقاب، والخدمة أهم من الظهور، والمصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.

من المسؤول عن تحويل صوت الجالية إلى قوة اقتراحية؟

إن المسؤولية لا تقع على الجمعيات وحدها، فهي تمتد، بدرجات مختلفة، إلى المؤسسات العمومية المكلفة بقضايا مغاربة العالم، والمنتخبين، والفاعلين السياسيين، والهيئات الاستشارية، وكل الجهات التي تتوفر على صلاحيات أو إمكانات تتيح لها الإسهام في معالجة هذه الملفات.

ومن غير المنطقي أن نطالب الجمعيات وحدها بتحقيق نتائج تتطلب أحياناً قرارات حكومية أو تعديلات تشريعية أو تنسيقاً دبلوماسياً، كما لا يجوز إعفاء الفاعلين المدنيين من مسؤولية المبادرة والترافع والتواصل مع المواطنين.

المطلوب هو توزيع واضح للأدوار، وتنسيق فعلي بين مختلف المتدخلين، وآليات منتظمة لتلقي الشكايات والمقترحات، ونشر حصيلة العمل، وتحديد الأولويات وفقاً للاحتياجات الحقيقية للجالية.

وإذا كان الدستور المغربي يؤطر علاقة الدولة بمواطنيها المقيمين بالخارج، وينص في الفصل السابع عشر على تمتعهم بكامل حقوق المواطنة، بما فيها الحقوق السياسية، مع مراعاة المقتضيات الدستورية والقانونية ذات الصلة، فإن التحدي المطروح يظل في كيفية ترجمة هذه المبادئ إلى ممارسة مؤسساتية فعالة ومستدامة.

فالمطلوب ليس مزيداً من الخطابات عن أهمية الجالية، بل سياسات قابلة للتقييم، وقنوات مشاركة فعالة، واستجابة واضحة للمطالب المشروعة.

المطلوب اليوم: الانتقال من الواجهة إلى الفعل

إن المرحلة تقتضي مراجعة أساليب العمل، والانتقال من منطق الحضور الشكلي إلى منطق التأثير الفعلي، ويمكن أن يبدأ ذلك بخطوات عملية، من بينها:

  • إعداد تقارير دورية وعلنية حول الملفات التي تشتغل عليها الجمعيات والهيئات المعنية بالجالية.
  • تحديد الأولويات القانونية والاجتماعية والحقوقية وفقاً لحاجات المغاربة في بلدان الإقامة.
  • إحداث قنوات تواصل فعالة لتلقي شكايات المواطنين ومقترحاتهم وتتبعها.
  • تعزيز التنسيق بين الجمعيات الجادة والخبراء والمحامين والباحثين والمنتخبين والجهات المؤسساتية المختصة.
  • تقييم أثر اللقاءات والبرامج والشراكات، بدل الاكتفاء بعدد الأنشطة والصور والبلاغات.
  • ضمان الشفافية في التدبير المالي والإداري، واحترام استقلالية العمل المدني، وتكافؤ الفرص في المشاركة والتمثيل.

إن مثل هذه الإجراءات من شأنها أن تعيد بناء الثقة، وتمنح العمل الجمعوي مصداقية أكبر، وتجعل الترافع عن الجالية عملية مستمرة لا ترتبط بالأزمات وحدها.

كلمة أخيرة: من يمثل الجالية يجب أن يكون حاضراً في قضاياها

إن تشبيه بعض الجمعيات والمؤسسات بنواب ينامون تحت قبة البرلمان ليس حكماً على الجميع، بل تعبير نقدي عن فجوة يشعر بها بعض أفراد الجالية بين الخطاب المعلن والنتائج المنتظرة.

والمطلوب اليوم هو تحويل هذا النقد إلى أسئلة محددة، ومطالب قابلة للقياس، ومحاسبة مبنية على الوقائع، بعيداً عن التعميم أو التشهير أو تصفية الحسابات.

فمغاربة العالم لا يطلبون امتيازات خارج القانون، ولا ينتظرون خطابات موسمية تُشيد بتضحياتهم ثم تتركهم وحدهم أمام تعقيدات الإدارة والقانون وتحديات الاندماج، إنهم يطالبون بعلاقة مؤسساتية ناضجة، تقوم على الإنصات والاحترام والمشاركة والنجاعة.

إذا كان النائب البرلماني يُسأل عما قدمه لناخبيه، فمن حق المواطن المغربي بالخارج أيضاً أن يسأل الجمعية أو المؤسسة التي تتحدث باسمه: ماذا قدمت؟ وأي ملف دافعت عنه؟ وما الذي تغير بفضل عملها؟

ذلك هو جوهر المساءلة الديمقراطية، وتلك هي الطريق نحو تمثيل أكثر مصداقية، وترافع أكثر احترافية، وعلاقة أكثر توازناً بين الجالية ومؤسسات بلدها.

فالوطن لا يحتاج إلى أصوات تملأ القاعات، بقدر ما يحتاج إلى مؤسسات تملأ الفراغ حين يغيب الآخرون، والجالية لا تحتاج إلى من يحتكر الحديث باسمها، بل إلى من يمنحها القدرة على إيصال صوتها بنفسها.

فمن يختار تمثيل مغاربة العالم، عليه أن يدرك أن التمثيل مسؤولية، وأن الصمت عن الملفات الجوهرية يطرح أسئلة مشروعة، وأن الثقة لا تُمنح بالشعارات، بل تُبنى بالعمل والنتائج.

 MREmedia | قضايا الجالية المغربية بالخارج