الرباط | رشيد بخوش 

من قضايا البناء والعقار إلى أوضاع صغار الفلاحين.. مداخلة تضع العدالة المجالية وكرامة المواطن في صلب النقاش البرلماني

في المشهد السياسي، لا تُقاس قيمة البرلماني بمجرد حضوره تحت قبة البرلمان، ولا بعدد المداخلات التي يلقيها، بل بقدرته على نقل انشغالات المواطنين إلى المؤسسات الدستورية، وتحويل الملفات التي تؤرق حياتهم اليومية إلى قضايا تستحق النقاش والمساءلة والبحث عن الحلول.

ومن هذا المنطلق، تكتسب مداخلة البرلماني أسامة بريك بشأن معاناة ساكنة العالم القروي والمناطق الجبلية، وإشكالات البناء والعقار، والأوضاع الصعبة التي يعيشها صغار الفلاحين، أهمية سياسية تتجاوز حدود الخطاب العابر، لتلامس واحدة من أبرز الإشكاليات التي تواجه التنمية في المغرب: كيف يمكن تحقيق العدالة المجالية وضمان استفادة المواطن، أينما كان، من شروط العيش الكريم؟

إن الحديث عن العالم القروي ليس حديثاً عن هامش جغرافي بعيد عن مركز القرار، بل هو حديث عن جزء أصيل من الوطن، وعن مواطنين يواجهون تحديات مرتبطة بالسكن، والملكية العقارية، والنشاط الفلاحي، والولوج إلى الخدمات الأساسية. وهي ملفات لا تحتمل المعالجة الموسمية، ولا ينبغي أن تبقى رهينة الوعود أو الحلول الجزئية.

أولاً: منبر البرلمان مسؤولية قبل أن يكون موقعاً سياسياً، إن قيمة الحضور البرلماني تظهر حين ينجح المنتخب في جعل قضايا المواطنين حاضرة في النقاش المؤسساتي، بعيداً عن الاكتفاء بالشعارات العامة أو المواقف الاستعراضية.

وفي هذا السياق، فإن إثارة ملفات العالم القروي والمناطق الجبلية تفتح الباب أمام مساءلة السياسات العمومية، واستحضار الفوارق المجالية، والتساؤل عن مدى قدرة البرامج التنموية على الاستجابة للحاجيات الحقيقية للسكان.

فالبرلمان ليس مجرد فضاء لتبادل المواقف السياسية، بل مؤسسة للرقابة والتشريع والترافع عن المصالح العامة. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي أمام أسامة بريك، كما أمام كل ممثلي الأمة، هو أن تتحول المرافعة السياسية إلى متابعة مؤسساتية، وأن تجد المطالب التي يجري التعبير عنها طريقها إلى حلول عملية قابلة للتنفيذ والتقييم.

ثانياً: البناء والعقار.. حين يصبح الحق في الاستقرار مطلباً اجتماعياً، تُعد قضايا البناء والعقار من أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى عدد من الأسر في العالم القروي والمناطق الجبلية، حيث يمكن أن تتداخل إشكالات التعمير والوثائق العقارية والملكية وتحديد المجالات القابلة للبناء، بما يخلق صعوبات قانونية وإدارية واجتماعية.

ولا يمكن التعامل مع هذه الإشكالات باعتبارها مجرد تفاصيل تقنية؛ فالعقار بالنسبة إلى المواطن قد يمثل المسكن، ومصدر الاستقرار الأسري، وامتداداً لارتباطه بأرضه ومحيطه الاجتماعي.

لذلك، فإن أي نقاش جاد في هذا المجال ينبغي أن يتجه نحو تبسيط المساطر في إطار القانون، وتوضيح الوضعيات العقارية، ومعالجة التعقيدات الإدارية، والبحث عن حلول منصفة تراعي خصوصية المجالات القروية والجبلية، دون الإخلال بمتطلبات السلامة والتخطيط العمراني وحماية البيئة.

وهنا تتجلى أهمية الترافع البرلماني المسؤول: ليس في تشخيص المشكلة فحسب، بل في الدفع نحو سياسات عمومية توازن بين احترام القانون وصون الحقوق المشروعة للمواطنين.

ثالثاً: صغار الفلاحين.. الحلقة التي لا ينبغي أن تغيب عن أولويات التنمية، لا يمكن الحديث عن تنمية العالم القروي دون التوقف عند أوضاع صغار الفلاحين، الذين يواجهون، بدرجات متفاوتة، تحديات تتعلق بكلفة الإنتاج، والتقلبات المناخية، وتدبير الموارد المائية، وتسويق المحاصيل، والقدرة على الوصول إلى التمويل والتأمين والمواكبة التقنية.

إن صغار الفلاحين ليسوا مجرد فئة اقتصادية تحتاج إلى الدعم، بل يشكلون جزءاً مهماً من النسيج الاجتماعي القروي، وترتبط أوضاعهم باستقرار الأسر، وفرص الشغل، والأمن الغذائي، واستمرار النشاط الاقتصادي في المناطق الجبلية والقروية.

ومن ثم، فإن الدفاع عن مصالح هذه الفئة ينبغي أن يتجاوز الخطاب التضامني إلى المطالبة بإجراءات ملموسة، من قبيل تحسين الولوج إلى برامج الدعم، وتوسيع المواكبة التقنية، وتعزيز التعاونيات، وتطوير قنوات التسويق، وإيجاد آليات أكثر فعالية لمواجهة آثار الجفاف والتقلبات المناخية.

فالسياسة الفلاحية الناجعة لا تُقاس فقط بحجم الاستثمارات والمشاريع المعلنة، بل أيضاً بمدى انعكاسها على دخل الفلاح الصغير، وقدرته على الاستمرار في الإنتاج، وضمان مستقبل أسرته.

رابعاً: العدالة المجالية.. الاختبار الحقيقي لنجاعة السياسات العمومية، إن الجمع بين ملفات العقار والبناء وأوضاع صغار الفلاحين ومعاناة سكان المناطق الجبلية يكشف عن سؤال سياسي مركزي: هل تصل ثمار التنمية إلى جميع المواطنين بالقدر نفسه، أم ما تزال بعض المجالات تواجه صعوبات تستدعي تدخلاً أكثر إنصافاً وفعالية؟

فالعدالة المجالية لا تعني توزيع المشاريع بصورة شكلية، بل تعني مراعاة الحاجيات الفعلية لكل منطقة، وربط التنمية بالخصوصيات الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية، وضمان أن يكون الموقع الجغرافي للمواطن غير محدد لفرصه في السكن والعمل والتعليم والعلاج والاستقرار.

ومن هنا، فإن أي مداخلة برلمانية تثير هذه القضايا تضع المؤسسات أمام مسؤولية واضحة: الانتقال من تشخيص الاختلالات إلى وضع حلول قابلة للتنفيذ، وتحديد المسؤوليات، وتتبع الالتزامات، وقياس الأثر الحقيقي للبرامج العمومية على حياة السكان.

خامساً: الرهان السياسي أمام أسامة بريك.. من قوة المرافعة إلى أثرها الميداني، إن المواقف السياسية تكتسب قيمتها حين تتحول إلى مسار متواصل من الترافع والمتابعة والمساءلة، وإذا كانت المداخلة البرلمانية تشكل لحظة مهمة لإيصال صوت المواطنين، فإن المرحلة التالية تقتضي مواصلة الاشتغال على الملفات المثارة، وتحديد المطالب ذات الأولوية، ومتابعة الجهات المعنية، وإطلاع الرأي العام على ما تحقق وما لا يزال ينتظر المعالجة.

وهنا سيكون المعيار الحقيقي لتقييم التجربة هو مدى قدرة هذا الترافع على الإسهام في تحسين الأوضاع، وتوضيح الحلول الممكنة، وتحقيق تقدم ملموس في الملفات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.

فالعمل البرلماني القوي لا يحتاج إلى المبالغة في الأوصاف، بقدر ما يحتاج إلى وضوح في المواقف، ودقة في التشخيص، وجرأة مسؤولة في طرح الأسئلة، واستمرارية في الدفاع عن المطالب المشروعة.

السياسة التي تنصت إلى الهامش تعيد الاعتبار إلى جوهر التمثيل الديمقراطي.

إن إثارة معاناة العالم القروي والمناطق الجبلية، وطرح قضايا البناء والعقار وصغار الفلاحين تحت قبة البرلمان، يعيد النقاش إلى جوهر الوظيفة التمثيلية: أن يكون المواطن حاضراً في المؤسسات، وأن تتحول مشاكله اليومية إلى أولويات في صناعة القرار.

وبالنسبة إلى أسامة بريك، فإن قيمة هذه المرافعة ستتحدد بقدر ما تفتح من مسارات للحل، وما تخلقه من متابعة مؤسساتية، وما تساهم فيه من تقريب السياسات العمومية من انتظارات السكان.

فالمواطن لا ينتظر فقط من يمثله في البرلمان، بل ينتظر من يجعل صوته مسموعاً، ومطالبه واضحة، وحقوقه موضوعاً للمساءلة والعمل.

وفي نهاية المطاف، لا تُصنع الثقة في السياسة بقوة الخطاب وحدها، بل بقدرة المؤسسات والمنتخبين والجمعيات، على تحويل الكلام إلى التزام، والالتزام إلى إنجاز، والإنجاز إلى تغيير يلمسه المواطن في حياته اليومية في وطن فقد مواطنيه الثقة في السياسة ومن يزاولها.