بين حق الدول في تنظيم الهجرة وواجب احترام الكرامة الإنسانية، يدخل الاتحاد الأوروبي مرحلة جديدة من سياسة العودة، وسط تساؤلات حول مصير ملايين الأشخاص، وانعكاسات القرار على الجاليات المغربية المقيمة بأوروبا.

لم تعد قضية الهجرة في أوروبا مجرد ملف إداري مرتبط بضبط الحدود وتدبير طلبات الإقامة واللجوء، بل أصبحت واحدة من أبرز القضايا السياسية والقانونية التي تعيد تشكيل النقاش حول الأمن، والسيادة، وحقوق الإنسان، ومستقبل الاندماج داخل المجتمعات الأوروبية.

وفي هذا السياق، اعتمد الاتحاد الأوروبي نظاماً جديداً للعودة والترحيل بموجب اللائحة الأوروبية رقم 2026/2280، المنشورة في الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي بتاريخ 15 أكتوبر 2026، ويهدف هذا الإطار القانوني إلى تسريع إجراءات إعادة مواطني الدول غير الأعضاء الذين لا يتوفرون على حق قانوني في البقاء داخل الاتحاد، وتعزيز التنسيق بين الدول الأعضاء في تنفيذ قرارات المغادرة.

ويأتي هذا التطور في إطار توجه أوروبي يرمي إلى جعل قرارات الترحيل أكثر قابلية للتنفيذ، بعد سنوات من الانتقادات المتعلقة بالفجوة بين عدد الأشخاص الذين تصدر بحقهم قرارات مغادرة الأراضي الأوروبية، وعدد الذين يغادرون فعلياً.

من تشديد المراقبة إلى تسريع الترحيل

الجديد في السياسة الأوروبية لا يقتصر على التشديد في مراقبة الحدود، بل يمتد إلى تطوير آليات تنفيذ قرارات العودة، وفرض التزامات على الأشخاص المعنيين بها، وتعزيز التعاون مع دول خارج الاتحاد الأوروبي.

وتتيح القواعد الجديدة، وفق شروط محددة، إمكانية إنشاء مراكز للعودة في دول ثالثة بموجب اتفاقات معنية، كما تضع إطاراً أوروبياً موحداً لقرارات العودة، وتسمح للدول الأعضاء بالاعتراف بقرارات صادرة عن دول أخرى وفق الآليات المحددة في اللائحة.

كما تتضمن القواعد تدابير أكثر صرامة تجاه بعض الأشخاص الذين تعتبر السلطات أنهم يشكلون خطراً أمنياً، إلى جانب إمكانية اتخاذ إجراءات تقييدية في حالات محددة، مع ضرورة احترام الضمانات القانونية والحقوق الأساسية.

غير أن هذه الإجراءات لا تعني أن جميع المهاجرين غير النظاميين سيُرحّلون بصورة جماعية أو آلية، فكل حالة تظل مرتبطة بالوضع القانوني المعني، وقرار العودة، وإمكانية الطعن، والالتزامات الدولية التي تقع على عاتق الدول الأوروبية.

المصدر القانوني: اللائحة الأوروبية رقم 2026/2280، المنشورة في الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي في 15 أكتوبر 2026.

رقم ثلاثة ملايين.. ماذا يعني قانونياً؟

يُتداول رقم يقارب ثلاثة ملايين مهاجر غير نظامي في الاتحاد الأوروبي، لكن التعامل مع هذا الرقم يتطلب الدقة، لأن عدد الأشخاص الموجودين في وضعية غير نظامية لا يساوي بالضرورة عدد الأشخاص الذين صدرت بحقهم قرارات نهائية قابلة للتنفيذ.

كما أن صدور قرار بالعودة لا يعني في كل الحالات أن الترحيل سيتم فوراً؛ فقد تثار مسائل تتعلق باللجوء، أو الروابط الأسرية، أو الوضع الصحي، أو مخاطر التعرض للاضطهاد أو المعاملة غير الإنسانية في بلد العودة، فضلاً عن سبل الطعن القضائي.

لذلك، فإن تقديم رقم ثلاثة ملايين باعتباره العدد المؤكد للأشخاص الذين سيشملهم الترحيل الفعلي سيكون استنتاجاً غير دقيق ما لم تدعمه بيانات رسمية محددة توضح الفترة الزمنية، والوضع القانوني للأشخاص المعنيين، وطبيعة القرارات الصادرة بحقهم.

هل يملك الاتحاد الأوروبي صلاحية ترحيل الجميع؟

من الناحية القانونية، تملك الدول الأوروبية صلاحية تنظيم دخول الأجانب وإقامتهم، واتخاذ قرارات بعودة الأشخاص الذين لا يتوفرون على حق قانوني في البقاء. لكن هذه الصلاحية ليست مطلقة، ولا تعفي السلطات من احترام القانون الأوروبي والاتفاقيات الدولية.

فميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي، والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، واتفاقية اللاجئين لعام 1951، إلى جانب مبدأ عدم الإعادة القسرية، تفرض قيوداً وضمانات قانونية على قرارات الإبعاد والترحيل.

ويعني مبدأ عدم الإعادة القسرية أنه لا يجوز إعادة شخص إلى بلد يواجه فيه خطراً حقيقياً من الاضطهاد أو التعذيب أو المعاملة المحظورة بموجب الالتزامات القانونية ذات الصلة.

كما أن الحق في الطعن الفعّال، والضمانات المرتبطة بالحياة الأسرية، وحماية الأطفال، تظل عناصر ينبغي مراعاتها بحسب ظروف كل حالة.

ومن هنا، فإن قوة أي سياسة أوروبية للهجرة لا تُقاس فقط بعدد عمليات الترحيل التي تنفذها، بل أيضاً بمدى احترامها للقانون، وضمانها ألا تتحول السرعة الإدارية إلى وسيلة للمساس بالحقوق الأساسية.

ماذا عن المغاربة المقيمين في أوروبا؟

بالنسبة إلى الجالية المغربية، فإن أهم ما ينبغي توضيحه هو أن هذا القانون لا يستهدف المغاربة بصفتهم الوطنية، بل الأشخاص الذين لا يتوفرون على حق قانوني في البقاء داخل الاتحاد الأوروبي.

وبالتالي، لا يعني وجود مهاجر مغربي في هولندا أو فرنسا أو بلجيكا أو إسبانيا أنه أصبح تلقائياً مهدداً بالترحيل لمجرد صدور اللائحة الجديدة.

فالمغاربة الحاصلون على إقامات سارية، أو الذين يتمتعون بحق قانوني في الإقامة بموجب أوضاعهم الخاصة، لا يدخلون تلقائياً ضمن الفئة المستهدفة بقرارات العودة لمجرد أنهم من مواطني دولة خارج الاتحاد الأوروبي.

أما الأشخاص الذين انتهت صلاحية إقاماتهم، أو رُفضت طلبات إقامتهم نهائياً، أو صدرت بحقهم قرارات مغادرة، فتتوقف أوضاعهم على طبيعة القرار، وإمكانية الطعن فيه، وأي حقوق أو ظروف قانونية أخرى قد تنطبق عليهم.

ويستدعي هذا التطور اهتماماً خاصاً من الجمعيات الحقوقية، والهيئات المعنية بشؤون المهاجرين، والفاعلين القنصليين، من أجل نشر معلومات دقيقة ومساعدة المعنيين على فهم حقوقهم والتزاماتهم.

ومن الضروري أيضاً التمييز بين المهاجر الذي لا يتوفر على إقامة قانونية، وطالب اللجوء الذي لا يزال ملفه قيد المعالجة، والشخص الذي يتمتع بحماية قانونية، لأن لكل وضع قواعده وآثاره.

مسؤولية الدول الأوروبية ودور دول المنشأ

لا يمكن معالجة ملف الهجرة بالاعتماد على الترحيل وحده، مهما كانت الإجراءات الإدارية فعّالة، فالهجرة غير النظامية ترتبط كذلك بأسباب اقتصادية واجتماعية، وبشبكات الاستغلال والاتجار بالبشر، وصعوبات الاندماج، وأوضاع الأشخاص الذين يفقدون سندهم القانوني بعد سنوات من الإقامة.

ومن ثم، فإن نجاح السياسة الأوروبية يتطلب توازناً بين تنفيذ القانون، وتطوير مسارات الهجرة القانونية، ومكافحة استغلال المهاجرين، وتعزيز التعاون مع دول المنشأ، وضمان إعادة الإدماج بصورة تحفظ الكرامة الإنسانية.

كما يطرح السماح بإنشاء مراكز للعودة خارج الاتحاد الأوروبي أسئلة مهمة بشأن مسؤولية الدول المشاركة، وآليات الرقابة، وضمانات الحماية، ومدى احترام الاتفاقات للقانون الدولي، فمجرد نقل الإجراءات إلى خارج الأراضي الأوروبية لا يلغي المسؤوليات القانونية المترتبة على القرارات المتخذة.

وفي المقابل، تقع على دول المنشأ مسؤولية تطوير سياسات اجتماعية واقتصادية تحد من دوافع الهجرة الخطرة، وتوفير آليات قانونية للتعاون القنصلي، مع الحرص على حماية حقوق مواطنيها.

هولندا أمام اختبار التطبيق

بالنسبة إلى هولندا، كما هو الحال بالنسبة إلى بقية الدول الأعضاء المعنية، فإن التحدي لن يكون في تبني التوجه الأوروبي فحسب، بل في كيفية تطبيقه داخل المنظومة القانونية الوطنية.

ويقتضي ذلك توضيح الإجراءات أمام الأشخاص المعنيين، وضمان إمكانية الوصول إلى المشورة القانونية، واحترام القرارات القضائية، ومراعاة الحالات التي تستوجب حماية خاصة.

ومن المهم بالنسبة إلى المغاربة المقيمين بهولندا ألا يعتمدوا على المنشورات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وحدها، خصوصاً عندما تتحدث عن ترحيل جماعي وشيك أو عن انتهاء جميع أشكال الحماية القانونية.

فالوضع الفردي لا يمكن تحديده انطلاقاً من الجنسية وحدها أو من عنوان خبر صحفي، بل يتطلب مراجعة الوثائق والقرارات الرسمية، والاستعانة بمختص قانوني عند الضرورة.

قانون أكثر صرامة، لكن الحقوق ليست تفصيلاً

يمثل النظام الأوروبي الجديد تحولاً مهماً في آليات العودة والترحيل، ويعكس توجهاً نحو تعزيز قدرة الدول الأعضاء على تنفيذ قرارات المغادرة، غير أن هذا التحول لا يمنح السلطات تفويضاً مفتوحاً للترحيل دون تمييز، ولا يلغي حقوق الأشخاص الذين تنطبق عليهم ضمانات الحماية بموجب القانون.

إن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في ثنائية مؤيدة للترحيل أو معارضة له، بل يجب أن يركز على سؤال أكثر جوهرية: كيف يمكن للدول الأوروبية تنفيذ قوانين الهجرة بفعالية، من دون المساس بمبدأ سيادة القانون والكرامة الإنسانية؟

وبالنسبة إلى مغاربة العالم، تبقى الحاجة ملحة إلى خطاب إعلامي مسؤول يشرح المستجدات القانونية بدقة، ويفصل بين الأخبار المؤكدة والتقديرات المتداولة، ويضع المواطن أمام المعلومات التي تساعده على فهم وضعه واتخاذ القرار المناسب.

MREmedia — إعلام يواكب قضايا مغاربة العالم، ويدافع عن حقهم في المعلومة الدقيقة والفهم