هولندا | رشيد بخوش 

بين تفعيل المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج وتقييم أداء مجلس الجالية المغربية بالخارج، تبرز الحاجة إلى رؤية مؤسساتية متكاملة تستجيب لانتظارات الجالية وتعزز مشاركتها في التنمية الوطنية.

يشكل تأكيد مكانة مغاربة العالم باعتبارهم شركاء دائمين في التنمية الوطنية مناسبة لإعادة فتح النقاش حول السياسات والمؤسسات المعنية بهذه الفئة من المواطنين، خصوصاً في ظل التوجه نحو تفعيل المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج، وما يطرحه ذلك من تساؤلات بشأن طبيعة الأدوار التي ستضطلع بها، وعلاقتها بالمؤسسات القائمة.

فالجالية المغربية بالخارج ليست مجرد مصدر للتحويلات المالية أو للاستثمارات، بل هي مكون أساسي من مكونات المجتمع المغربي، تزخر بالكفاءات والخبرات والتجارب المتنوعة، وتواجه في المقابل تحديات مرتبطة بالإقامة والعمل والحقوق والاندماج في بلدان الاستقبال، فضلاً عن رغبتها في الحفاظ على ارتباطها بوطنها والمساهمة في تنميته.

ومن هذا المنطلق، فإن الاعتراف بدور مغاربة العالم ينبغي أن يواكبه تطوير الآليات المؤسساتية المكلفة بتدبير قضاياهم، بما يضمن وضوح المسؤوليات، وتكامل الاختصاصات، وتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.

المؤسسة المحمدية.. إضافة جديدة أم فرصة لإعادة تنظيم المنظومة كما هي؟

إن التوجه نحو تفعيل المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج يطرح فرصة لمراجعة كيفية تدبير هذا الملف، خاصة فيما يتعلق بمواكبة أفراد الجالية، وتيسير استفادتهم من الخدمات، وتعبئة الكفاءات المغربية بالخارج، وتشجيع مساهمتها في التنمية الوطنية.

غير أن نجاح هذه المؤسسة سيظل مرتبطاً بوضوح مهامها وصلاحياتها، وبمدى قدرتها على الاستجابة للاحتياجات الفعلية لمغاربة العالم، كما يتطلب الأمر تحديد العلاقة بينها وبين باقي المؤسسات والقطاعات الحكومية المعنية، تفادياً لتداخل الاختصاصات أو تكرار البرامج والمهام.

وفي هذا السياق، سبق أن حدد التوجه الملكي نحو إعادة هيكلة المؤسسات المعنية بمغاربة العالم تصوراً يقوم على التمييز بين مجلس الجالية المغربية بالخارج، بوصفه مؤسسة للتفكير وتقديم الاقتراحات، والمؤسسة المحمدية، باعتبارها إطاراً ذا طابع تنفيذي في مجال السياسة العمومية الموجهة للجالية. ويمكن الاطلاع على هذا التوجه ضمن المرجعيات المنشورة على البوابة الرسمية لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج.

وبالتالي، فإن النقاش لا يتعلق فقط بإحداث مؤسسة جديدة أو تفعيلها، بل بكيفية تنزيل هذا التصور وضمان الانسجام بين مختلف مكوناته.

مجلس الجالية المغربية بالخارج.. ضرورة التقييم قبل اتخاذ القرار

في المقابل، يظل مجلس الجالية المغربية بالخارج حاضراً في النقاش المتعلق بتمثيل الجالية ومواكبة قضاياها، فالمجلس مؤسسة استشارية أُحدثت سنة 2007، وتتمثل مهامه، وفق المعطيات المنشورة على موقعه الرسمي، في المساهمة في تتبع السياسات العمومية الموجهة للمغاربة المقيمين بالخارج وتقييمها، وإبداء الرأي في القضايا التشريعية والسياسات المرتبطة بهم.

غير أن تحديد هذه الاختصاصات قانونياً لا يعفي من ضرورة تقييم مدى تفعيلها، ومدى انعكاس عمل المجلس على القضايا التي تشغل الجالية في بلدان الإقامة.

فمن المشروع أن يطرح المواطنون والفاعلون الجمعويون أسئلة حول فعالية المجلس، وسبل تعزيز التواصل بينه وبين مغاربة العالم، ومدى قدرته على إيصال انشغالاتهم إلى المؤسسات المعنية، فضلاً عن آليات تجديد تركيبته وتعزيز انفتاحه على مختلف الكفاءات والأجيال والتجارب.

لكن الإنصاف يقتضي أيضاً ألا يُختزل تقييم المجلس في الانطباعات العامة أو في المطالبة بحله دون تشخيص دقيق، فالحكم على تجربة مؤسساتية يستلزم الاطلاع على حصيلتها، والبرامج التي نفذتها، والمقترحات التي قدمتها، ومدى تأثيرها في السياسات العمومية، إلى جانب تحديد الصعوبات القانونية والتنظيمية التي قد تحد من أدائها.

وعليه، فإن المطلوب هو تقييم مؤسساتي واضح وشفاف، يسمح بتحديد مكامن القوة والاختلال، ويقدم أساساً موضوعياً لاتخاذ القرار المناسب بشأن مستقبل المجلس.

هل الحل هو إعادة الهيكلة أم إحداث صيغة بديلة؟

مع الحديث عن تفعيل المؤسسة المحمدية، يبرز سؤال مشروع حول مستقبل مجلس الجالية المغربية بالخارج: هل يتطلب الأمر الإبقاء عليه مع مراجعة طريقة اشتغاله وتطوير آليات عمله، أم إعادة هيكلته بصورة أعمق، أم دراسة إمكانية تعويضه بصيغة مؤسساتية جديدة؟

لا يمكن حسم هذا النقاش مسبقاً دون تقييم موضوعي، لأن لكل خيار تبعاته القانونية والإدارية والمالية. فإعادة الهيكلة قد تسمح بالحفاظ على الخبرات المتراكمة مع معالجة أوجه القصور، بينما قد يتيح إحداث صيغة بديلة إعادة النظر في التمثيلية والاختصاصات وآليات المساءلة، أما الإبقاء على الوضع القائم، فينبغي أن يكون بدوره مرتبطاً بإثبات قدرة المجلس على الاضطلاع بمهامه وتحقيق الأهداف المنتظرة منه.

والأهم هو ألا تتحول إعادة التنظيم إلى مجرد تغيير في الأسماء أو الهياكل، من دون أثر واضح في حياة المغاربة المقيمين بالخارج.

ما الذي تنتظره الجالية المغربية بالخارج؟

بعيداً عن الجدل المؤسساتي، تظل الأولوية بالنسبة إلى مغاربة العالم مرتبطة بمدى استجابة السياسات العمومية لمشاكلهم اليومية، سواء تعلق الأمر بالخدمات القنصلية والإدارية، أو حماية الحقوق والمصالح، أو مواكبة الفئات التي تعيش أوضاعاً اجتماعية وقانونية صعبة، أو تعزيز مشاركة الكفاءات المغربية بالخارج في التنمية الوطنية.

كما أن الأجيال الجديدة تحتاج إلى مقاربة تأخذ بعين الاعتبار اختلاف تجاربها واحتياجاتها، وتوفر فرصاً أوسع للمشاركة في الحياة الثقافية والاقتصادية والمؤسساتية بالمغرب.

ولتحقيق ذلك، من الضروري تعزيز التشاور المنتظم مع الجمعيات والفعاليات والكفاءات المغربية بالخارج، وإرساء آليات واضحة لتلقي المقترحات والشكاوى، ونشر تقارير دورية حول النتائج المحققة، وتحديد مؤشرات تسمح بقياس فعالية المؤسسات المعنية.

فنجاح أي إصلاح لا يُقاس بعدد المؤسسات الموجودة، بل بمدى قدرتها على تقديم خدمات أفضل، وإيصال صوت الجالية، وتحويل انتظاراتها إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ والتقييم.

نحو رؤية مؤسساتية أكثر انسجاماً وفعالية

إن تفعيل المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج يمكن أن يشكل فرصة لتطوير منظومة تدبير قضايا الجالية، شريطة أن يتم ذلك في إطار رؤية متكاملة تحدد أدوار مختلف المؤسسات، وتضمن التنسيق بينها، وتربط المسؤولية بالنتائج.

وفي هذا الإطار، تبدو مراجعة تجربة مجلس الجالية المغربية بالخارج جزءاً مشروعاً من النقاش العام، على أن تستند إلى معطيات دقيقة وتقييم معلن، لا إلى أحكام مسبقة بشأن ضرورة استمراره أو حله.

إن الرهان الحقيقي ليس الإبقاء على مؤسسة أو إنهاء وجودها في حد ذاته، بل بناء منظومة مؤسساتية أكثر فعالية وتمثيلية، تجعل مصالح مغاربة العالم وحقوقهم ومشاركتهم الفعلية في صلب السياسات العمومية.

فإذا كانت الجالية المغربية بالخارج شريكاً دائماً في التنمية الوطنية، فإن من حقها أيضاً أن تعرف كيف تُدبّر قضاياها، وما النتائج التي تحققها المؤسسات المكلفة بخدمتها، وما الإصلاحات التي يجري اعتمادها للاستجابة لانتظاراتها.

ويبقى السؤال المطروح: هل ستشكل مرحلة تفعيل المؤسسة المحمدية مناسبة لتقييم شامل للمنظومة المؤسساتية المعنية بمغاربة العالم، بما فيها مجلس الجالية المغربية بالخارج، ووضع أسس أكثر وضوحاً للتمثيلية والفعالية والمساءلة؟

الإجابة عن هذا السؤال ستتوقف على طبيعة القرارات المتخذة، ومدى إشراك الجالية في النقاش، وقدرة الإصلاحات المرتقبة على الانتقال من الأهداف المعلنة إلى نتائج ملموسة يشعر بها المغاربة المقيمون بالخارج.