هولندا | رشيد بخوش

في لحظة يغيب فيها الجسد، تبقى المواقف شاهدة، وتظل السيرة الطيبة أقوى من الرحيل، هكذا نستحضر اليوم ذكرى الدبلوماسي بوطاهر أحرضان، الذي لم يكن مجرد مسؤول يؤدي مهامه الرسمية، بل كان رجلًا آمن بأن الدبلوماسية الحقيقية تُبنى على الاحترام، وحسن التواصل، وخدمة العلاقات بين الشعوب.

لقد شكّل حضوره في مدينة هيرلن نموذجًا للدبلوماسية الموازية الهادئة والراقية، حيث استطاع أن يترك أثرًا لدى عدد من الفاعلين السياسيين والمسؤولين المحليين والأمنيين الهولنديين، من خلال الانفتاح والحوار والتواصل الإيجابي، بما يعكس صورة المغرب بثقافته وقيمه وتقاليده الأصيلة.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته الدبلوماسية الثقافية والاجتماعية والموازية في تقريب المسافات، فقد كانت الأطباق المغربية التي قدمتها السيدة نادية نفيل للمسؤولين السياسيين والأمنيين الهولنديين بمدينة هيرلن أكثر من مجرد مأدبة؛ كانت رسالة حضارية تختصر الكثير من معاني الكرم المغربي والانفتاح على الآخر، وتجعل من المائدة مساحة للحوار والتعارف وبناء جسور الثقة.

إن قوة الدبلوماسية لا تكمن دائمًا في البيانات الرسمية أو اللقاءات المغلقة، وإنما تظهر أيضًا في التفاصيل الإنسانية التي تصنع الثقة بين المجتمعات، ومن هنا، فإن مثل هذه المبادرات تعكس وجهًا آخر للعلاقات المغربية الهولندية، وجهًا يقوم على التواصل الشعبي والثقافي إلى جانب العلاقات السياسية والمؤسساتية.

لقد كان القنص العام للمملكة المغربية السيد بوطاهر أحرضان، في نظر من عرفوه، مسؤولًا راقيًا ودبلوماسيًا يحمل قيمة الإنسان قبل صفة المسؤول، ولذلك فإن رحيله لا يمثل خسارة لعائلته وأصدقائه ومحبيه فحسب، بل يترك فراغًا لدى كل من عرف فيه ذلك الحس الدبلوماسي والإنساني الرفيع.

إن الشخصيات التي تخدم العلاقات بين الدول بروح المسؤولية والاحترام لا تنتهي مسيرتها برحيلها؛ فالأثر الذي تتركه يستمر في الذاكرة، وتبقى مواقفها جزءًا من تاريخ العلاقات الإنسانية والدبلوماسية.

ومن مدينة هيرلن، نستحضر اليوم رجلًا ترك وراءه ذكرى طيبة، ونقول إن الدبلوماسية المغربية كانت وستظل بحاجة إلى رجال يجمعون بين قوة الموقف، ورقي الخطاب، واحترام الآخر، والإيمان بأن بناء الجسور بين الشعوب هو أحد أرقى أشكال العمل الوطني.

رحم الله الدبلوماسي القنصل العالم للمملكة الشريفة السيد بوطاهر أحرضان رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته وذويه ومحبيه الصبر والسلوان. وستبقى ذكراه الطيبة شاهدًا على مسيرة رجل آمن بأن الدبلوماسية أخلاق قبل أن تكون منصبًا، ورسالة قبل أن تكون وظيفة.