هولندا | رشيد بخوش
هناك سؤال سياسي لم يعد من السهل تأجيله: إذا كان مغاربة العالم مواطنين مغاربة كاملين، فأين هو صوتهم المباشر داخل البرلمان المغربي؟
هذه ليست مسألة رمزية، ولا مطلباً فئوياً عابراً، إنها قضية ترتبط بجوهر المواطنة والتمثيلية الديمقراطية، وبمدى قدرة المؤسسات الوطنية على ترجمة المقتضيات الدستورية إلى ممارسة سياسية فعلية.
فدستور 2011 لم يتعامل مع المغاربة المقيمين بالخارج باعتبارهم مواطنين من درجة ثانية، بل نص الفصل 17 على تمتعهم بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها الحقوق الانتخابية، وربط مشاركتهم السياسية باللوائح والدوائر الانتخابية المحلية والجهوية والوطنية، وفي الوقت نفسه، لم ينشئ الدستور دوائر انتخابية مستقلة خارج التراب الوطني.
وهنا تبدأ المفارقة.
مغربي يعيش في باريس أو بروكسيل أو مدريد أو مونتريال أو أمستردام يظل مواطناً مغربياً، لكنه لا يملك دائرة انتخابية برلمانية خاصة به في بلد إقامته.
قد يقال إن أبواب المشاركة السياسية لم تُغلق أمامه، وإن المنظومة الانتخابية الحالية تتضمن إجراءات لتحفيز الأحزاب على ترشيح المغاربة المقيمين بالخارج في الدوائر المحلية داخل المغرب، وهذا صحيح، بل إن المنظومة الانتخابية لانتخابات 2026 رفعت الحوافز المالية للأحزاب التي ترشح مغاربة العالم.
لكن السؤال يبقى قائماً: هل ترشيح بعض أفراد الجالية في دوائر داخل المغرب يساوي تمثيلية سياسية مباشرة لمغاربة العالم؟
الجواب يحتاج إلى نقاش مؤسساتي صريح.
فالتمثيلية ليست مجرد وجود شخص يحمل صفة “مغربي مقيم بالخارج” داخل لائحة انتخابية، التمثيلية تعني وجود ناخبين محددين، ودائرة انتخابية واضحة، ومساءلة سياسية مباشرة، ونائب يعرف أن وراء صوته وقراره قاعدة انتخابية من ملايين المغاربة المنتشرين عبر العالم.
وهنا تبدو الفجوة بين المواطنة القانونية والتمثيلية السياسية أكثر وضوحاً.
واللافت أن هذا النقاش ليس جديداً، فقد أشار المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى أن الفصل 17 يكفل حقوق المواطنة للمغاربة المقيمين بالخارج، لكنه لا ينص صراحة على إحداث دوائر انتخابية خارج حدود الوطن، كما سجل وجود صعوبات قانونية وتنظيمية مرتبطة بهذه المسألة.
بل إن الخطاب الملكي المقدم بمناسبة مشروع دستور 2011 حمل إشارة سياسية بالغة الأهمية، حين أعلن أن المغاربة المقيمين بالخارج سيتم تخويلهم تمثيلية برلمانية “متى نضجت الصيغة الديمقراطية لذلك”، مع تأكيد تمتعهم بحق الانتخاب في مجلسي البرلمان.
وبعد مرور سنوات منذ سنة2011، يصبح السؤال المشروع: متى تنضج هذه الصيغة؟
إن طرح السؤال لا يعني التشكيك في المؤسسات، ولا التقليل من الجهود المبذولة تجاه مغاربة العالم، بل على العكس، فإن قوة المؤسسات تقاس أيضاً بقدرتها على استقبال الأسئلة المؤجلة وتحويلها إلى أوراش إصلاحية.
مغاربة العالم ليسوا فقط أرقاماً في التحويلات المالية، ولا رافعة للاستثمار، ولا جسراً للدبلوماسية الثقافية، ولا مواطنين تستحضرهم الدولة في المناسبات الوطنية، إنهم مواطنون لهم مصالح وحقوق وانتظارات، ومن الطبيعي أن يبحثوا عن موقع واضح لهم في هندسة القرار الوطني.
لا يكفي أن نقول للجالية المغربية بالخارج: أنتم جزء من الوطن؛ المطلوب أن يكون لها أيضاً مكان واضح داخل مؤسسات الوطن.
وهذا لا يعني بالضرورة اعتماد نموذج واحد ونهائي، يمكن فتح نقاش وطني حول عدة صيغ: دوائر انتخابية بالخارج، تمثيلية خاصة داخل مجلس النواب، أو آليات انتخابية أخرى تضمن صوتاً مباشراً ومنظماً لمغاربة العالم، مع مراعاة التعقيدات القانونية والعملية المرتبطة باختلاف أنظمة الإقامة وتوزيع الجالية عبر القارات.
لكن ما ينبغي تفاديه هو استمرار المنطقة الرمادية: اعتراف دستوري بالمواطنة من جهة، وغياب تمثيلية برلمانية مباشرة من جهة أخرى.
لقد تغيرت الجالية المغربية كثيراً، الجيل الجديد من مغاربة العالم أكثر تعليماً، وأكثر حضوراً في مجالات الاقتصاد والعلوم والسياسة والمجتمع المدني، وأكثر ارتباطاً في الوقت نفسه بالمغرب وبقضايا مستقبله.
ولهذا فإن استمرار غياب مقاعد برلمانية مخصصة لمغاربة العالم لم يعد مجرد تفصيل تقني في القانون الانتخابي؛ إنه سؤال عن صورة المغرب الديمقراطي الذي يريد أن يبني مؤسساته في العقود المقبلة.
السؤال اليوم ليس: هل يستحق مغاربة العالم التمثيلية؟
فهم مواطنون، والدستور يعترف بحقوق مواطنتهم.
السؤال الحقيقي هو:
كيف نترجم هذا الاعتراف إلى تمثيلية سياسية حقيقية، مباشرة، قابلة للمساءلة، وتليق بمغاربة يعيشون خارج الحدود الجغرافية للمملكة لكنهم، دستورياً ووطنياً، ليسوا خارج الوطن؟
إن فتح هذا الملف بجدية لا ينبغي أن يُنظر إليه كضغط على المؤسسات، بل كاختبار لقدرتها على تطوير نفسها.
فالديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد المقاعد داخل البرلمان، وإنما أيضاً بمن يجد مكاناً له على طاولة القرار.
ومغاربة العالم ينتظرون منذ سنوات أن يتحول الاعتراف بهم من خطاب عن المواطنة إلى ممارسة فعلية للمواطنة.

تعليقات الزوار 0
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق على هذا المقال.