هولندا – رشيد بخوش 

في مشهد يعكس توجهاً نحو دبلوماسية القرب والإنصات المباشر، حمل لقاء القنصل العام للمملكة المغربية، السيدة سارة أيت المودن، مع فعاليات جمعوية مغربية وهولندية، رسائل سياسية ودبلوماسية واضحة، عنوانها الأبرز: التواصل، التعاون، والإنصات إلى انتظارات أفراد الجالية المغربية.

فالرسالة التي خرجت من اللقاء لم تكن مجرد مجاملة دبلوماسية أو مناسبة بروتوكولية، بل بدت أقرب إلى تأكيد على ضرورة بناء علاقة أكثر انتظاماً بين التمثيلية القنصلية والنسيج الجمعوي، تقوم على الحوار المستمر وتبادل الرؤى والعمل المشترك.

وأكدت القنصل العام أهمية خلق قنوات تواصل دائمة مع الجمعيات المغربية والهولندية، بما يسمح بالانتقال من منطق اللقاءات الظرفية إلى منطق الشراكة المؤسساتية والمشاريع المشتركة، والاستفادة من الطاقات والكفاءات الموجودة داخل الجالية، باعتبارها جزءاً فاعلاً من النسيج الاجتماعي والاقتصادي والثقافي الهولندي.

وتكتسي هذه المقاربة أهمية خاصة، بالنظر إلى الدور الذي تلعبه الجمعيات في تأطير أفراد الجالية، ونقل انشغالاتهم، والمساهمة في تعزيز التواصل بين المواطنين والمؤسسات، ومن هذا المنطلق، فإن فتح قنوات حوار منتظمة معها يمكن أن يشكل رافعة لتقريب الإدارة من المواطن وتعزيز الثقة المتبادلة.

نظام المواعيد.. ملف حاضر بقوة على طاولة النقاش

ومن أبرز الملفات التي حضرت في النقاش الخدمات القنصلية ونظام المواعيد، وهو موضوع يشكل أحد أهم انشغالات عدد من أفراد الجالية المغربية، خصوصاً في ظل الصعوبات التي يواجهها بعض المواطنين في الحصول على موعد لإنجاز وثائقهم ومعاملاتهم الإدارية.

وطرح هذا الملف يعكس أهمية أن يكون صوت المواطن حاضراً في تقييم الخدمات العمومية، وأن يتم التعامل مع الملاحظات والشكايات باعتبارها مدخلاً لتحسين الأداء وتطوير الخدمات، وليس فقط باعتبارها انتقادات عابرة.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية التواصل المباشر الذي دعت إليه القنصل العام، لأنه يتيح الوقوف على الإشكالات من الميدان، والاستماع إلى التجارب المختلفة لأفراد الجالية، والبحث عن حلول عملية تراعي الإمكانات المتاحة وتستجيب، قدر الإمكان، لحاجيات المواطنين.

من التواصل إلى المشاريع

الرسالة السياسية الأبرز في هذا اللقاء تتمثل في الرغبة في جعل العلاقة مع المجتمع المدني أكثر إنتاجاً وفاعلية، عبر الانتقال من التواصل إلى العمل، ومن النقاش إلى المشاريع، ومن المبادرات الفردية إلى شراكات يمكن أن يكون لها أثر ملموس.

فالجمعيات المغربية والهولندية تتوفر على خبرات وتجارب وشبكات واسعة، ويمكن أن تشكل شريكاً مهماً في عدد من المجالات ذات الصلة بالجالية، من الثقافة والشباب إلى الاندماج والتبادل والتعاون المجتمعي.

كما أن الانفتاح على الجمعيات الهولندية يكتسي بعداً دبلوماسياً مهماً، لأنه يعكس طبيعة العلاقات المتعددة المستويات بين المغرب وهولندا، حيث لا تقتصر الدبلوماسية على القنوات الرسمية، وإنما تمتد إلى المجتمع المدني والفاعلين المحليين والجالية.

دبلوماسية الإنصات

ما يميز هذا التوجه هو وضع الإنصات في قلب العمل القنصلي، فالمواطن المغربي المقيم بالخارج لا ينتظر فقط خدمات إدارية، وإنما يريد أيضاً أن يشعر بأن صوته مسموع، وأن ملاحظاته تصل إلى المسؤولين، وأن الصعوبات التي يواجهها تجد طريقها إلى النقاش والحلول.

ومن هنا، فإن تعزيز التواصل المباشر بين القنصلية والجالية والجمعيات يمكن أن يشكل نموذجاً لـدبلوماسية القرب، قوامها الحضور، الحوار، الاستماع، والتفاعل.

وبالنسبة إلى الجمعيات، فإن هذا الانفتاح يمثل فرصة لتطوير علاقة جديدة مع المؤسسة القنصلية، قوامها المسؤولية المشتركة والوضوح والاقتراح والعمل الميداني، بعيداً عن الحسابات الضيقة أو العلاقات الظرفية.

في النهاية، يبدو أن الرسالة التي حملها اللقاء واضحة: الجالية ليست مجرد مستفيد من الخدمات القنصلية، بل شريك في الحوار وفي بناء الحلول، وإذا تحولت هذه الرؤية إلى ممارسة مستمرة ومشاريع ملموسة، فإنها قد تفتح مرحلة جديدة في العلاقة بين القنصلية ومختلف مكونات المجتمع المدني المغربي والهولندي، عنوانها الثقة والتعاون والنتائج.

ما نتمناه اليوم كجمعيات، ليس أكثر من أن تتحول هذه الرسائل الراقية إلى ممارسة حقيقية في جميع القنصليات المغربية بهولندا، فالجالية المغربية تستحق أن تُسمع، وأن تُقدَّر، وأن تكون لها مكانتها في أجندة العمل القنصلي.

التواصل ليس ترفاً، والإنصات ليس مجاملة، واللقاءات مع الجمعيات ليست مجرد صور ومناسبات؛ بل هي أدوات لبناء الثقة وصناعة المشاريع وتقريب المؤسسة من المواطن.

وإذا كانت القنصلية العامة للمملكة المغربية بهولندا قد اختارت أن تفتح باب الحوار، فإن الأمل أن تُفتح الأبواب نفسها في كل القنصليات، حتى تصبح دبلوماسية القرب ثقافة مؤسساتية، لا مبادرة مرتبطة بأشخاص أو مناسبات.

فالجالية شريك، والجمعيات جسر، والتواصل أساس كل نجاح.