هولندا – رشيد بخوش

في السياسة، كما في العلاقات الإنسانية، والعلاقات الدبلوماسية، ليس كل حضورٍ يُقاس بعدد اللقاءات، ولا كل غيابٍ يعني نهاية التأثير، فهناك من يحضر في المكان ولا يترك وراءه شيئًا، وهناك من يغادر ويبقى أثره حاضرًا في الذاكرة والقرارات والمواقف.

الحضور الحقيقي ليس أن تُرى، بل أن تُشعَر، أن تغيب، ويبقى أثرك حاضرًا في العمل والقلوب.

ولهذا، فإن السياسة الرشيدة لا تُبنى على الأشخاص بقدر ما تُبنى على المؤسسات، ولا تستند إلى صخب الحضور بقدر ما تستند إلى قيمة الدور الذي يؤديه صاحبه، فالمواقع العامة ليست ملكًا لأحد، والتكليف السياسي والدبلوماسي أو الإداري ليس شهادة دائمة بالوجود، وإنما مسؤولية مؤقتة تُقاس بما يتركه صاحبها من أثر.

أما من يأتي بتقديمٍ من طرفٍ مجهول، أو يراهن على علاقات عابرة القارات، أو يعتقد أن مجرد الظهور يفرض على الآخرين الاعتراف به، فعليه أن يدرك أن السياسة أوسع من الأسماء، وأبقى من الأشخاص… فالذين يأتون يذهبون، والذين يتغيرون في مواقع المسؤولية يتعاقبون، بينما تبقى المؤسسات قائمة، وتبقى الذاكرة قادرة على التمييز بين من جاء ليؤدي دورًا، ومن جاء بحثًا عن دور.

وليس المقصود هنا التقليل من أحد، بل التأكيد على قاعدة بسيطة في العمل العام والدبلوماسية الموازية: الشرعية والمهنية والسياسية لا يصنعها التقديم وحده، والحضور لا تمنحه العلاقات وحدها، والقيمة لا تُثبتها الأسماء، وإنما يثبتها العمل والأثر والقدرة على احترام المؤسسات.

قد ينجح شخص في الوصول إلى موقع ما، وقد يحظى بدعمٍ من جهة ما، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه أصبح جزءًا من المشهد أو أنه ترك أثرًا يستحق أن يُذكر، فالمواقع تتبدل، والوجوه تتغير، والمرحلة السياسية تطوي صفحات وتفتح أخرى.

أما من يعرف قيمة المكان والزمان، فيتعامل معه باعتباره أمانة لا غنيمة، ومسؤولية لا امتيازًا، ويترك وراءه ما هو أبقى من صورته وصوته: موقفًا محترمًا، عملًا منجزًا، وعلاقةً قائمة على التقدير المتبادل.

وفي نهاية المطاف، لا يبقى في السياسة والعمل الدبلوماسي من كان أكثر ضجيجًا، ولا من امتلك أكثر الأبواب للوصول، بل من استطاع أن يجعل حضوره ذا معنى، وأن يجعل غيابه لا يلغي أثره.

فالأشخاص يرحلون، والمواقع تتغير، والمرحلة تتبدل… أما الأثر الحقيقي، فهو وحده الذي يملك حق البقاء.

رحم الله الروح الطاهرة السيد بوطاهر أحرضان، القنصل العام للمملكة المغربية بمدينة دنبوش.

كان رجلًا وفيًّا لوطنه وملكه، قريبًا من أبناء الجالية، يحترم الكبير والصغير، ويؤمن بأن المسؤولية خدمةٌ للناس قبل أن تكون منصبًا.

وما يميز الرجال في مواقع المسؤولية ليس طول بقائهم، بل الأثر الذي يتركونه بعد الرحيل، وقد ترك، رحمه الله، أثرًا طيبًا في نفوس من عرفوه وتعاملوا معه.

كان حريصًا على أن تبقى أبواب التواصل مفتوحة، وأن تكون المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة، وأن تظل الجالية المغربية موحدة رغم اختلاف الآراء وتعدد المواقف.

رحم الله الفقيد رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن وطنه وأبناء جاليته خير الجزاء.

يبقى الإنسان حين يرحل بما تركه من أثر… وتبقى المواقف الصادقة شاهدةً على أصحابها.