MRE
بين الحق في نقل الخبر وواجب احترام قرينة البراءة، تظل المسؤولية المهنية والأخلاقية للإعلام معياراً أساسياً لحماية كرامة الأشخاص وضمان حق الرأي العام في المعلومة.
أثارت طريقة تغطية مراسل قناة “شوف تيفي” لقضية التيكتوكر المعروف باسم “الشكح”، قبل أن يقول القضاء كلمته في الملف، تساؤلات حول حدود التغطية الإعلامية للقضايا المعروضة على العدالة، ومدى التوازن المطلوب بين حق الصحافة في نقل الأخبار وضرورة احترام الحقوق القانونية للأشخاص المعنيين.
ففي دولة المؤسسات والقانون، لا يمكن أن تتحول التغطية الإعلامية لأي قضية إلى محاكمة موازية، ولا ينبغي أن يصبح الظهور أمام الكاميرا بديلاً عن المساطر القضائية التي يحددها القانون، فالمتهم، مهما كانت طبيعة القضية المتابع فيها، يظل مستفيداً من قرينة البراءة إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي وفقاً للقانون.
إن الصحافة الحرة والمستقلة تؤدي دوراً محورياً في تنوير الرأي العام وكشف الحقائق، غير أن هذه الحرية تقترن بمسؤولية مهنية تفرض الدقة في نقل المعلومات، والابتعاد عن الأحكام المسبقة، وعدم تقديم الاتهامات أو الشبهات باعتبارها حقائق ثابتة.
ومن هنا، فإن النقاش لا يتعلق بمنع الصحافيين من تغطية القضايا المثيرة للاهتمام، ولا بحرمان الجمهور من حقه في معرفة ما يجري، وإنما بضرورة ممارسة هذا الحق في إطار احترام القانون وأخلاقيات المهنة، مع التمييز الواضح بين ما هو ثابت، وما هو مجرد ادعاء، وما لم يحسم فيه القضاء بعد.
كما أن انتشار مواقع التواصل الاجتماعي وسرعة تداول المقاطع المصورة يضاعفان مسؤولية المؤسسات الإعلامية، لأن أي تغطية غير متوازنة قد تترك أثراً على صورة الشخص المعني وسمعته، حتى قبل انتهاء الإجراءات القضائية. وقد يصعب تصحيح هذا الأثر لاحقاً، حتى إذا جاءت النتيجة القضائية مخالفة لما ترسخ لدى الجمهور.
والسؤال الذي يستحق النقاش اليوم هو: أين تنتهي حرية التغطية الإعلامية، وأين تبدأ مسؤولية الصحافي في حماية قرينة البراءة وكرامة الأشخاص؟
إن احترام القضاء لا يعني الصمت عن القضايا العامة، كما أن احترام الصحافة لا يعني إعفاءها من المساءلة المهنية. بل إن العلاقة السليمة بين الإعلام والعدالة تقوم على استقلال كل طرف، واحترام اختصاصاته، والالتزام بالضوابط القانونية والأخلاقية التي تحمي المجتمع والأفراد معاً.
وفي انتظار ما ستسفر عنه المسطرة القضائية في ملف التيكتوكر “الشكح”، يبقى من الضروري التعامل مع القضية بموضوعية، وعدم استباق الأحكام أو تحويل النقاش إلى إدانة إعلامية مسبقة لأي طرف.
فالديمقراطية لا تُقاس فقط بحرية الصحافة في الكلام، بل أيضاً بمدى قدرتها على ممارسة هذه الحرية بمسؤولية، واحترام حق كل شخص في محاكمة عادلة، وترك الكلمة الفصل للقضاء.

تعليقات الزوار 0
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق على هذا المقال.