MREmedia | مقال سياسي واجتماعي

لم تعد قضية الأسرة المغربية بالخارج مجرد شأن اجتماعي محدود أو مسألة شخصية تنتهي عند أبواب المحاكم، بل أصبحت ملفاً مجتمعياً يستحق اهتماماً مؤسساتياً جاداً، بالنظر إلى ما قد يترتب عن النزاعات الزوجية والطلاق من آثار نفسية واجتماعية وقانونية، خصوصاً عندما يكون الأطفال في قلب الخلاف، وتتشابك القوانين المغربية مع قوانين بلدان الإقامة.

فوراء كل حالة طلاق حكاية إنسانية تستحق أن تُفهم بعيداً عن الأحكام المسبقة، وخلف كثير من النزاعات الأسرية أسئلة تحتاج إلى البحث والتشخيص، لا إلى الاكتفاء بالتدخل بعد وصول الخلاف إلى القضاء، وبين المغرب وأوروبا، تعيش أسر مغربية تحديات تتداخل فيها ظروف الهجرة، وضغوط المعيشة، واختلاف التصورات حول الحياة الزوجية، وصعوبات التواصل، وأحياناً تعقيدات المساطر القانونية العابرة للحدود.

ومن هنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن تطرحه المؤسسات المغربية المعنية بشؤون الجالية: أين هي الدراسة العلمية الشاملة التي ترصد واقع الاستقرار الأسري لدى المغاربة المقيمين بالخارج، وتحدد أسباب النزاعات الزوجية، وتقترح حلولاً عملية للوقاية منها وحماية حقوق الأطفال؟

من تحويلات مالية إلى سياسة اجتماعية تحمي الإنسان، اعتادت السياسات العمومية أن تولي اهتماماً كبيراً للمساهمة الاقتصادية لمغاربة العالم، وهو اهتمام مشروع بالنظر إلى دورهم في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز الروابط بين المغرب ومواطنيه بالخارج، لكن العلاقة بين الدولة وجاليتها لا ينبغي أن تُختزل في التحويلات المالية والاستثمارات والمواسم الصيفية والمناسبات الوطنية.

فمغاربة العالم مواطنون لهم أسر وأطفال وتطلعات ومشكلات اجتماعية وقانونية، ويحتاجون إلى مؤسسات تستمع إليهم وتواكب تحولات حياتهم في بلدان الإقامة.

إن الدفاع عن مصالح الجالية يقتضي توسيع مفهوم خدمة المواطن، ليشمل كذلك الاستقرار الأسري، والتوجيه القانوني، والوساطة الاجتماعية، ومرافقة الأسر التي تمر بأزمات، مع احترام استقلال القضاء وحقوق جميع الأطراف.

فهل توجد رؤية مؤسساتية متكاملة تجعل من حماية الأسرة المغربية بالخارج جزءاً من السياسة العمومية الموجهة إلى الجالية؟ أم أن هذا الجانب لا يزال يحتاج إلى مزيد من التشخيص والتنسيق والبرامج الميدانية؟

الطلاق بين المغرب والخارج.. واقع يحتاج إلى أرقام لا إلى الانطباعات، لا يمكن بناء سياسة ناجعة اعتماداً على قصص فردية، مهما كانت مؤثرة، كما لا يجوز التقليل من معاناة الأسر التي تواجه نزاعات معقدة، المطلوب هو الانتقال من الانطباعات المتفرقة إلى البحث العلمي القائم على المعطيات والإحصاءات والمقابلات الميدانية.

وهنا تبرز أهمية إطلاق دراسة تقارن واقع الأسرة المغربية داخل المغرب وخارجه، مع التركيز على بلدان مثل هولندا وبلجيكا وفرنسا وإسبانيا، حيث تستقر أعداد مهمة من المغاربة، مع مراعاة خصوصية كل نظام قانوني واجتماعي.

وينبغي أن تبحث هذه الدراسة في أسباب الطلاق، وتأثير الأوضاع الاقتصادية والسكنية، وتحديات التوفيق بين العمل والحياة الأسرية، ومدى توفر خدمات الوساطة والاستشارة الزوجية، فضلاً عن آثار الانفصال على الأطفال وعلاقاتهم بكلا الوالدين.

كما ينبغي أن تدرس أوضاع الزيجات التي تتم بين المغرب وبلدان الإقامة، والتحديات التي قد تظهر بعد انتقال أحد الزوجين، دون افتراض أن الهجرة أو الاختلاف الثقافي سبب مباشر للطلاق في جميع الحالات.

إن معرفة حجم الظاهرة وأسبابها الحقيقية ليست ترفاً أكاديمياً، بل شرط أساسي لوضع سياسات تستجيب للحاجات الفعلية للأسر.

الأطفال ليسوا أطرافاً ثانوية في النزاعات الزوجية، من أكثر الجوانب حساسية في قضايا الطلاق ما يرتبط بمصلحة الأطفال، خصوصاً عندما يعيش الأب والأم في بلدين مختلفين، أو عندما تتداخل أحكام قضائية صادرة عن جهات مختلفة، أو تنشأ خلافات بشأن الحضانة والنفقة وحق التواصل والسفر.

في مثل هذه الحالات، قد تتحول الخلافات بين الزوجين إلى معاناة طويلة للأطفال، الذين يجدون أنفسهم أحياناً وسط نزاع لم يختاروه، وقد تتأثر علاقتهم بأحد الوالدين أو بعائلتهم الممتدة في المغرب.

لذلك، فإن أي سياسة جادة لحماية الاستقرار الأسري يجب أن تنطلق من مبدأ واضح: مصلحة الطفل وحقوقه تأتي في صلب المعالجة، مع ضمان حق كل طرف في الإنصاف واللجوء إلى القضاء.

كما أن الوقاية من النزاعات، وتوفير الاستشارة القانونية المبكرة، وتعزيز الوساطة الأسرية حيث تكون مناسبة وآمنة، يمكن أن تساعد بعض الأسر على تجاوز خلافاتها قبل أن تتحول إلى صراعات طويلة ومكلفة.

ولا يعني ذلك الدعوة إلى إبقاء الأزواج في علاقات مؤذية، بل ضمان أن تكون القرارات المتعلقة بالانفصال والأطفال قائمة على الحقوق والقانون والمصلحة الفضلى للطفل.

هل تقوم المؤسسات بدورها الوقائي أم تنتظر وصول النزاع إلى المحكمة؟

إن مسؤولية المؤسسات لا تقتصر على تقديم الخدمات الإدارية أو توجيه المواطنين إلى المساطر القانونية بعد نشوء المشكلة، بل تقتضي أيضاً التفكير في آليات وقائية تستجيب للتحديات التي تواجه الأسر المغربية في الخارج.

ومن هنا، يصبح من المشروع طرح أسئلة واضحة على الجهات المعنية بشؤون الجالية والأسرة والعدل:

ما البرامج المتوفرة للتوعية بالحقوق والواجبات الزوجية قبل الزواج وبعده؟ وهل توجد خدمات كافية للوساطة الأسرية والاستشارة الاجتماعية بلغات بلدان الإقامة؟ وما مدى التنسيق بين المؤسسات المغربية ونظيراتها الأوروبية عندما يتعلق الأمر بحماية الأطفال وتيسير الإجراءات القانونية المشروعة؟

كما ينبغي تقييم دور القنصليات والجمعيات المتخصصة ومؤسسات المجتمع المدني، مع احترام حدود اختصاص كل جهة، وتحديد المجالات التي تحتاج إلى تطوير أو تمويل أو تعاون مؤسساتي أكبر.

إن طرح هذه الأسئلة لا يستهدف التشكيك في جهود أي مؤسسة، بل يرمي إلى فتح نقاش مسؤول حول مدى ملاءمة السياسات الحالية للتحولات التي تعرفها الأسرة المغربية عبر الحدود.

المطلوب: دراسة وطنية وبرنامج عملي لحماية الأسرة

إن معالجة هذا الملف تتطلب إرادة مؤسساتية واضحة، تبدأ بإطلاق دراسة علمية مستقلة، بمشاركة باحثين مغاربة وأوروبيين ومتخصصين في علم الاجتماع والقانون وعلم النفس والخدمات الاجتماعية.

وينبغي أن تفضي الدراسة إلى توصيات قابلة للتنفيذ، من بينها:

  • إحداث قاعدة بيانات إحصائية موثوقة حول الزواج والطلاق لدى المغاربة بالخارج، وفق القوانين المعمول بها وضمانات حماية المعطيات الشخصية.
  • تعزيز برامج التوعية القانونية والاجتماعية قبل الزواج، خصوصاً في حالات الزواج العابر للحدود.
  • دعم خدمات الاستشارة الأسرية والوساطة المتخصصة، مع مراعاة حالات العنف أو اختلال موازين القوة التي قد تجعل الوساطة غير مناسبة.
  • توفير معلومات واضحة بشأن الحضانة والنفقة والاعتراف بالأحكام القضائية وحقوق الأطفال في التواصل مع الوالدين.
  • تطوير التنسيق بين المؤسسات المغربية والجهات المختصة في بلدان الإقامة.
  • نشر نتائج البحث والتقارير الدورية حتى يتمكن الرأي العام والباحثون والهيئات المنتخبة من تقييم النتائج ومساءلة السياسات على أساس معطيات دقيقة.

إن مثل هذه الإجراءات لن تنهي جميع حالات الطلاق، فذلك أمر غير واقعي، لكنها قد تساعد على تقليص النزاعات التي يمكن تجنبها، وتخفيف آثار الانفصال، وتحسين حماية الأطفال وحقوق الوالدين.

رسالة إلى صناع القرار والى كل مسؤول في المغرب : الأسرة ليست ملفاً هامشياً

إن الحديث عن مغاربة العالم بوصفهم شركاء دائمين في تنمية الوطن ينبغي أن يترجم إلى سياسات ملموسة تمس حياتهم اليومية، لا أن يبقى مجرد خطاب في المناسبات الرسمية.

فالدولة التي تراهن على ارتباط أبنائها بالخارج بوطنهم، مطالبة أيضاً بفهم التحولات التي تعرفها أسرهم، والاستماع إلى احتياجاتهم، وتوفير وسائل الدعم والتوجيه ضمن حدود القانون واختصاصات المؤسسات.

ولا يمكن مطالبة الأسر وحدها بتحمل نتائج تحولات اجتماعية واقتصادية وقانونية معقدة، كما لا يمكن تحميل الدولة مسؤولية كل خلاف زوجي، لكن من واجب المؤسسات العمومية أن توفر المعرفة والخدمات الوقائية وآليات الحماية التي تجعل التعامل مع هذه الأزمات أكثر عدلاً وفعالية.

إن الأسرة المغربية بالخارج ليست مجرد امتداد اجتماعي للجالية، بل جزء من حاضر المغرب ومستقبله، وأطفالها جزء من الجيل الذي سيحمل الروابط الإنسانية والثقافية بين المغرب وبلدان الإقامة.

ومن هذا المنطلق، تدعو MREmedia إلى فتح نقاش وطني مسؤول حول الاستقرار الأسري لدى مغاربة العالم، وإطلاق دراسة علمية شاملة تحدد حجم التحديات وأسبابها، وتقدم حلولاً عملية تراعي حقوق المرأة والرجل والطفل، بعيداً عن التعميم والتجاذب والاتهامات المتبادلة.

فالسؤال لم يعد فقط: لماذا تتفكك بعض الأسر المغربية بالخارج؟ بل أصبح أيضاً: ماذا فعلنا علمياً ومؤسساتياً لفهم الأسباب، والوقاية من النزاعات الممكن تجنبها، وحماية الأطفال، وضمان الكرامة والحقوق لجميع أفراد الأسرة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تستحق أن تكون بداية سياسة اجتماعية أكثر قرباً من واقع مغاربة العالم، وأكثر اعتماداً على العلم، وأكثر التزاماً بمبدأ أن المواطن لا يفقد حقه في الاهتمام والرعاية لأنه اختار أن يعيش خارج حدود وطنه.

MREmedia — قضايا الجالية ليست موسمية، وحماية الأسرة مسؤولية مجتمعية ومؤسساتية مشتركة.