حين تلتقي حرمة الموتى بحساسية الجغرافيا والتاريخ، تتحول الصورة إلى رسالة سياسية تتجاوز حدود اللحظة، وتعيد إلى الواجهة سؤال سبتة وموقعها في العلاقات المغربية الإسبانية.
لم تكن زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيثيا إلى مقبرة سيدي امبارك الإسلامية بمدينة سبتة، يوم 13 أكتوبر 2026، مجرد محطة إنسانية عابرة في برنامج زيارة ملكية، فقد اكتسبت هذه الزيارة أبعاداً سياسية ورمزية إضافية، بالنظر إلى طبيعة المدينة، والخلاف التاريخي حول السيادة عليها، والسياق الإقليمي الذي جاءت فيه، وقد وقف الملك والملكة ترحّماً على ضحايا الهجرة الذين قضوا خلال محاولات العبور الجماعي في يوليو الماضي.
أولاً: الترحّم واجب إنساني، لكنه لا يُنهي الأسئلة السياسية
لا يمكن لأي موقف مسؤول أن يجعل من حرمة الموتى موضوعاً للمزايدة أو أن ينتقص من قيمة التضامن الإنساني مع الضحايا وأسرهم، فالموت واحد، والكرامة الإنسانية لا تتجزأ، واحترام قبور الضحايا واجب يتجاوز الانتماءات الوطنية والدينية والسياسية.
غير أن الاعتراف بالبعد الإنساني للزيارة لا يعني تعليق الأسئلة السياسية والتاريخية التي تثيرها، فالمشهد الذي يبدو، في ظاهره، تعبيراً عن المواساة والتضامن، جرى داخل مدينة يطالب المغرب باستعادة السيادة عليها، بينما تعتبرها إسبانيا جزءاً من أراضيها وتتمسك بوضعها ضمن مؤسساتها الدستورية والإدارية.
وهنا تكمن حساسية المشهد: يمكن احترام البعد الإنساني للزيارة، من دون أن يُفهم ذلك باعتباره قبولاً بالموقف الإسباني من السيادة على سبتة.
إن الفصل بين المسألتين ليس تناقضاً، بل هو جوهر الموقف السياسي الرصين؛ فالإنسانية لا تلغي التاريخ، والدبلوماسية لا تقتضي التخلي عن المطالب الوطنية، كما أن الخلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة للمساس بحرمة الموتى.
ثانياً: سبتة ليست مجرد موقع جغرافي
تحتل سبتة مكانة خاصة في الذاكرة التاريخية المغربية، وترتبط قضية وضعها السياسي بملف أوسع يتعلق بالعلاقات بين المغرب وإسبانيا، وبإرث تاريخي ترك بصماته على ضفتي مضيق جبل طارق.
وبالنسبة إلى قطاعات من الرأي العام المغربي، فإن استمرار الإدارة الإسبانية للمدينة يمثل قضية سيادة وطنية لم تُطوَ صفحتها، ومن هذا المنطلق، لا تُقرأ الزيارات الرسمية الإسبانية إلى سبتة باعتبارها تحركات بروتوكولية محايدة تماماً، بل يمكن أن تُفهم أيضاً بوصفها تأكيداً على موقف مدريد من المدينة.
وقد أكدت الحكومة الإسبانية، في مواقف رسمية سابقة، تمسكها بسيادتها على سبتة ومليلية، وهذا ما يجعل من الضروري أن يتعامل المغرب مع الملف بوضوح استراتيجي، وأن يميز بين ما تقتضيه إدارة العلاقات الثنائية اليومية وما يرتبط بالمطالب التاريخية والسياسية المتعلقة بالسيادة.
فالقضايا المرتبطة بالذاكرة الوطنية لا تختفي لمجرد أن العلاقات الثنائية تعرف فترات من التقارب، ولا تُحسم بالصور الرسمية أو بالخطابات الرمزية، وإنما تظل مرتبطة بمسار سياسي ودبلوماسي واضح.
ثالثاً: الرسائل الرمزية للزيارة وحدود قراءتها
تكتسب الزيارات الملكية في العادة أهمية تتجاوز برنامجها المعلن، لأنها تحمل رسائل إلى الداخل والخارج، وفي حالة سبتة، جاءت الزيارة في سياق حساس، بعد أزمة هجرة شهدتها المدينة في يوليو 2026، وفي وقت كانت فيه قضايا الحدود والتعاون مع المغرب حاضرة بقوة في الخطاب السياسي الإسباني.
كما أن الزيارة كانت الأولى من نوعها للملك فيليبي السادس إلى سبتة منذ اعتلائه العرش سنة 2014، وفق ما أوردته وكالة رويترز.
ومن المشروع، في هذا السياق، التساؤل عن الدلالات السياسية التي تحملها زيارة ملكية إلى مدينة متنازع بشأن سيادتها بين التصورين المغربي والإسباني، لكن التحليل الدبلوماسي الدقيق يقتضي عدم الجزم بوجود نية سياسية محددة وراء كل تفصيل من تفاصيل الزيارة ما لم تدعم ذلك تصريحات أو وثائق واضحة.
فما يمكن قوله بثقة هو أن الزيارة جرت في سياق يؤكد فيه الطرف الإسباني تمسكه بموقفه من سبتة، بينما يظل الموقف المغربي من المدينة جزءاً من النقاش الوطني حول السيادة والوحدة الترابية.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في الاكتفاء بإدانة صورة أو الاحتفاء بها، بل في فهم السياق الذي يجعل من كل تحرك رسمي في المدينة حدثاً قابلاً لتأويلات سياسية متعددة.
رابعاً: المغرب بين الثوابت الوطنية ومتطلبات الدبلوماسية
إن قوة الموقف المغربي لا تُقاس بحدة العبارات وحدها، ولا بمدى انتشار الشعارات على منصات التواصل الاجتماعي، بل بقدرته على تحويل الثوابت الوطنية إلى رؤية دبلوماسية متماسكة، تحافظ على المصالح الاستراتيجية للمملكة وتُبقي القضايا التاريخية حاضرة في النقاش المسؤول.
فالمغرب وإسبانيا تربطهما علاقات اقتصادية وأمنية وتجارية وإنسانية متشعبة، كما يتعاون البلدان في ملفات الهجرة ومراقبة الحدود ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر، غير أن التعاون في هذه المجالات لا يعني بالضرورة تطابق المواقف بشأن جميع القضايا التاريخية والسياسية.
وهنا تبرز أهمية الدبلوماسية المتوازنة: الحفاظ على قنوات الحوار، وتفادي التصعيد غير المحسوب، مع عدم السماح بأن يتحول التقارب الثنائي إلى سبب لتغييب الملفات الخلافية أو إفراغ النقاش حولها من مضمونه.
ومن حق الرأي العام المغربي أن يناقش مستقبل سبتة ومليلية، وأن يطالب بوضوح الرؤية بشأنهما، على أن يستند هذا النقاش إلى المعطيات التاريخية والسياسية والقانونية، وأن يبتعد عن الأحكام المتسرعة أو الادعاءات التي لا تستند إلى أدلة.
فالدبلوماسية القوية ليست صراخاً سياسياً، بل قدرة على الدفاع عن المواقف الوطنية بوضوح واستمرارية، مع تقدير دقيق لموازين المصالح والتحديات.
خامساً: لا ينبغي أن تتحول الذاكرة إلى مجرد مشهد عابر
إن أكثر ما يستحق التأمل في زيارة مقبرة سيدي امبارك هو أن الضحايا الذين استحضرهم المشهد لم يكونوا مجرد أرقام في أزمة حدودية، بل بشراً انتهت حياتهم في ظروف مأساوية، وتركوا وراءهم أسئلة إنسانية وسياسية عميقة بشأن الهجرة، وحماية الأرواح، ومسؤولية المؤسسات، والظروف التي تدفع الشباب إلى المخاطرة بحياتهم.
ومن واجب جميع الأطراف أن تجعل من هذه المأساة مناسبة لمراجعة السياسات التي تحيط بالهجرة، وتعزيز آليات الإنقاذ والحماية، وضمان التعامل مع الضحايا وأسرهم بما يحفظ كرامتهم وحقوقهم.
لكن الاعتبار الإنساني لا يفرض على المغاربة التخلي عن نقاشهم بشأن سبتة، كما أن التمسك بالمطالب الوطنية لا يستوجب التقليل من قيمة الترحّم على الضحايا.
إن الجمع بين الموقفين هو ما يمنح الخطاب السياسي نضجه: احترام الإنسان، والتمسك بالذاكرة، والإصرار على أن الخلافات التاريخية ينبغي أن تُعالج عبر مسارات سياسية ودبلوماسية مسؤولة.
الخلاصة: الرحمة للموتى، والحوار بشأن السيادة
إن زيارة الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا لمقبرة سيدي امبارك ستظل مشهداً إنسانياً ارتبط، في الوقت نفسه، بسياق سياسي وتاريخي شديد الحساسية، ولا يمكن اختزال دلالاتها في قراءة واحدة، كما لا ينبغي أن تُستخدم حرمة الموتى لإغلاق النقاش حول وضع المدينة.
بالنسبة إلى المغاربة المتمسكين بمغربية سبتة، فإن الرسالة الأساسية واضحة: احترام الضحايا لا يعني التخلي عن المطالب الوطنية، والتعاون مع إسبانيا لا يعني أن جميع الخلافات التاريخية قد حُسمت.
وفي المقابل، فإن الدفاع عن الموقف المغربي يحتاج إلى خطاب يستند إلى الوقائع، وإلى رؤية دبلوماسية طويلة النفس، وإلى نقاش جاد بشأن السبل السياسية والقانونية الممكنة لمعالجة هذا الملف.
الرحمة للضحايا واجب إنساني لا خلاف عليه، والسيادة قضية سياسية وتاريخية لا تُحسم بالمشاهد الرمزية. وبين الأمرين، تبقى مسؤولية المغرب في الدفاع عن مواقفه الوطنية مسؤولية تقتضي الحكمة والوضوح والاستمرارية.
بقلم: MREmedia | قضايا الجالية المغربية والمستجدات السياسية والدبلوماسية

تعليقات الزوار 0
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق على هذا المقال.