MREmedia | قضايا الجالية المغربية بالخارج
في الوقت الذي تتعزز فيه الدعوات إلى حماية حقوق مغاربة العالم وصون كرامتهم وتعزيز ارتباطهم بوطنهم الأم، تبرز قضية اجتماعية وقضائية حساسة تستدعي نقاشاً مؤسساتياً مسؤولاً، تتعلق بمعاناة عدد من الرجال المغاربة المقيمين بالخارج بعد الطلاق، وما قد يواجهونه من دعاوى النفقة وإجراءات قضائية بالمغرب، رغم استقرارهم القانوني والاجتماعي والمالي في دول الإقامة.
إن الأمر لا يتعلق بالدعوة إلى إسقاط حقوق الأطفال أو التنصل من المسؤوليات الأسرية، بل بطرح سؤال جوهري حول مدى ملاءمة بعض المساطر والإجراءات القضائية مع واقع الهجرة، وطبيعة الأنظمة الاجتماعية في الدول الأوروبية، والتحديات التي يواجهها الأب المغربي بعد انفصاله عن زوجته، خصوصاً عندما تصبح النزاعات الأسرية سبباً في تعقيد علاقته بوطنه وأسرته الممتدة.
إلى السيد هشام البلاوي: ملف يستحق الإنصات والمراجعة
السيد هشام البلاوي، رئيس النيابة العامة بالمملكة المغربية، إن حماية الحقوق والحريات وضمان التطبيق السليم للقانون يقتضيان الإنصات إلى مختلف الأطراف المعنية بالنزاعات الأسرية، بما في ذلك الرجال المغاربة المقيمون بالخارج الذين يعتبرون أنفسهم متضررين من بعض الإجراءات المرتبطة بقضايا النفقة بعد الطلاق.
فمن غير المقبول أن يتحول الخلاف الأسري، في نظر أي طرف، إلى شعور دائم بالتهديد أو إلى سبب للابتعاد عن الوطن الأم، كما أن من الضروري التمييز بين الأب الذي يتهرب من مسؤولياته، والأب الذي يؤدي التزاماته وفق إمكانياته، لكنه يواجه نزاعاً قضائياً عابراً للحدود أو إشكالات تتعلق باحتساب المبالغ المستحقة وتحديد الالتزامات المالية.
ومن هنا، يبرز تساؤل مشروع: هل يمكن فتح باب مراجعة الشكايات والتظلمات التي يتقدم بها الرجال المغاربة بالخارج في قضايا النفقة، ودراسة الحالات التي يعتقد أصحابها أنهم تعرضوا فيها للحيف، وفقاً للقانون والاختصاصات القضائية؟
إن المطالبة بالمراجعة لا تعني التدخل في استقلال القضاء أو الضغط على المحاكم لإصدار أحكام بعينها، وإنما تعني تعزيز آليات التظلم، وتيسير الولوج إلى العدالة، وضمان دراسة كل ملف بناءً على وثائقه وظروفه الخاصة.
الإعانات الاجتماعية في أوروبا والنفقة بالمغرب: ضرورة توضيح قانوني
تستفيد أسر مغربية كثيرة في بلدان الإقامة من أنظمة اجتماعية مخصصة لدعم الأطفال، تختلف تسمياتها وشروطها وقيمتها من دولة إلى أخرى، وفي هولندا، على سبيل المثال، توجد إعانة الطفل المعروفة باسم Kinderbijslag، إلى جانب نظام مستقل للدعم الإضافي المرتبط بالأطفال وفق شروط محددة.
غير أن وجود هذه الإعانات لا يعني تلقائياً أنها تحل محل النفقة القانونية، ولا أنها تسقط الالتزامات التي قد يقررها القضاء المغربي، ولذلك، فإن جوهر الإشكال يستوجب دراسة قانونية دقيقة لكيفية احتساب الموارد والإعانات ذات الصلة، وتحديد الجهة التي تتولى رعاية الطفل فعلياً، ومن يتحمل نفقاته، ومدى إمكانية التنسيق بين السلطات المختصة في البلدين.
ومن حق المتضررين المطالبة بتوضيحات قانونية ومؤسساتية بشأن كيفية التعامل مع هذه الحالات، تفادياً للازدواج في الاحتساب أو تضارب الإجراءات، متى ثبت وجود ذلك في ملف معين.
إن المقاربة المتوازنة لا تنطلق من افتراض أن كل مطالبة بالنفقة غير مشروعة، ولا من اعتبار كل أب متهرباً من واجباته، بل من ضرورة فحص الوقائع والأدلة، وضمان التناسب والإنصاف في تطبيق القانون.
هل ينبغي أن تكون محاكم بلد الإقامة هي الجهة الأولى للنظر في النزاع؟
من بين المقترحات التي تستحق النقاش القانوني والمؤسساتي، دراسة إمكانية تعزيز دور محاكم بلد الإقامة في معالجة النزاعات المتعلقة بالنفقة، متى توافرت شروط الاختصاص القضائي، خصوصاً عندما يكون الأطفال والوالدان مستقرين فعلياً في ذلك البلد.
فإذا كانت الأسرة تعيش في هولندا أو بلجيكا أو فرنسا أو غيرها من الدول الأوروبية، فإن محاكم هذه البلدان تكون، في حالات معينة، أكثر اطلاعاً على الدخل الحقيقي للأطراف، والوضع الاجتماعي للأسرة، والنظام المتعلق بإعانات الأطفال، وترتيبات الحضانة والرعاية.
لكن تحديد المحكمة المختصة لا يخضع للرغبة المنفردة لأحد الأطراف؛ إذ تحكمه قواعد الاختصاص القضائي الوطني والدولي، والاتفاقيات ذات الصلة، وطبيعة الحكم المطلوب تنفيذه، لذلك، فإن المطلوب هو بحث إمكانات التنسيق القضائي بين المغرب ودول الإقامة، لا الدعوة إلى إلغاء اختصاص المحاكم المغربية بصورة عامة.
كما أن أي إصلاح ينبغي أن يضمن حماية حقوق الأطفال، ويمنع صدور قرارات متعارضة، ويتيح للأب والأم معاً تقديم الأدلة المتعلقة بالدخل والنفقات والرعاية الفعلية.
حين تصبح النزاعات الأسرية عبئاً على علاقة المواطن بوطنه
تتجاوز تداعيات بعض النزاعات الأسرية الجانب المالي، لتلامس علاقة المواطن المغربي المقيم بالخارج بوطنه الأم، فهناك رجال يقولون إنهم يترددون في زيارة المغرب بسبب مخاوف مرتبطة بنزاعات النفقة أو بإجراءات التنفيذ القضائي، وإن هذه المخاوف تؤثر في علاقتهم بأسرهم وأقاربهم.
وهذه الشهادات، متى تم توثيقها والتحقق من تفاصيلها، تستحق أن تؤخذ على محمل الجد، وأن تُدرس لمعرفة ما إذا كانت هناك صعوبات إجرائية أو حالات سوء فهم قانوني أو قرارات تستدعي سلوك طرق الطعن المتاحة.
فالمواطن المقيم بالخارج ليس مجرد مصدر للتحويلات المالية، بل هو مواطن كامل الحقوق والواجبات، ومن حقه أن يشعر بأن علاقته بوطنه محكومة بالقانون، وأن الخلافات الأسرية لا تحرمه من ضمانات المحاكمة العادلة أو من حقه في الطعن وفق المساطر القانونية.
وفي المقابل، يجب التأكيد أن مجرد وجود دعوى نفقة لا يعني تلقائياً منع الأب من السفر، كما أن أي إجراء قد يمس حريته أو سفره يتطلب أساساً قانونياً وإجراءً مختصاً، بحسب الحالة.
ما المطلوب من المؤسسات المغربية؟
إن فتح هذا الملف يقتضي الانتقال من الشكايات الفردية المتفرقة إلى معالجة مؤسساتية منظمة، تقوم على جمع المعطيات ودراسة الحالات الموثقة واقتراح حلول قابلة للتطبيق.
ومن أبرز المطالب التي تستحق الدراسة:
- إحداث آلية واضحة لتلقي تظلمات مغاربة العالم المتعلقة بالنزاعات الأسرية والنفقة، مع إحالتها على الجهات المختصة بحسب طبيعتها.
- دراسة الحالات التي يُدّعى فيها عدم احتساب الموارد والإعانات الاجتماعية أو عدم مراعاة الوضع المالي الحقيقي للأطراف، وفق القواعد القانونية المطبقة.
- تعزيز التعاون القضائي بين المغرب ودول الإقامة، وتوضيح إجراءات الاعتراف بالأحكام وتنفيذها والطعن فيها.
- تسهيل مشاركة المغاربة المقيمين بالخارج في الإجراءات القضائية، والاستعانة بالوسائل الرقمية كلما سمح القانون بذلك.
- ضمان تقييم طلبات تعديل النفقة عند تغير الظروف المالية أو الأسرية، وفق المساطر القانونية، بدلاً من استمرار النزاعات دون معالجة مناسبة.
- حماية حق الأطفال في النفقة والرعاية، بالتوازي مع ضمان حق الأب في التواصل معهم وفق الأحكام والترتيبات القانونية المنظمة لذلك.
أما الشكايات المتعلقة بأحكام نهائية، فينبغي التعامل معها عبر طرق الطعن أو المراجعة التي يجيزها القانون، وليس بافتراض أن مجرد تقديم تظلم إلى جهة إدارية أو قضائية يؤدي إلى إلغاء الحكم أو وقف تنفيذه.
رسالة إلى السيد هشام البلاوي: العدالة الأسرية مسؤولية مشتركة
السيد رئيس النيابة العامة، إن مغاربة العالم ينتظرون من المؤسسات المغربية أن تظل أبوابها مفتوحة أمام التظلمات الجدية، وأن يجدوا فيها آليات قانونية واضحة للتعامل مع النزاعات التي تتجاوز الحدود الجغرافية.
إن المطلوب ليس منح الرجال حصانة من النفقة، ولا إعفاءهم من مسؤولياتهم تجاه أبنائهم، بل ضمان ألا تتحول المطالبة بالحقوق إلى مصدر للحيف، وألا يُعامل جميع الآباء باعتبارهم في الوضعية نفسها، مهما اختلفت ظروفهم والتزاماتهم وقدرتهم المالية.
كما أن الإنصاف لا يكتمل دون الاستماع إلى الأمهات أيضاً، وضمان حقوق الأطفال، والتحقق من الوقائع قبل إصدار الأحكام أو تبني الاتهامات، فالعدالة الأسرية لا ينبغي أن تكون انتصاراً لطرف على حساب آخر، بل وسيلة لحماية الأسرة، حتى بعد الانفصال.
ومن هذا المنطلق، نأمل أن يحظى هذا الملف باهتمام الجهات المختصة، وأن يُفتح نقاش قانوني ومؤسساتي بشأن الصعوبات التي يثيرها تنفيذ أحكام النفقة في العلاقات العابرة للحدود، مع دراسة المقترحات التي يقدمها المتضررون والجمعيات الممثلة لمغاربة العالم.
إن قوة دولة القانون لا تُقاس فقط بقدرتها على تنفيذ الأحكام، بل أيضاً بقدرتها على ضمان الإنصاف، وتصحيح الاختلالات متى ثبتت، وحماية حقوق جميع الأطراف دون تمييز.
خاتمة: مغاربة العالم يريدون عدالة تنصف الجميع
إن قضية النفقة بعد الطلاق لدى المغاربة المقيمين بالخارج تستحق نقاشاً هادئاً ومسؤولاً، بعيداً عن التعميم والاتهامات، وقريباً من الواقع القانوني والاجتماعي للجالية.
ويبقى السؤال المطروح أمام المؤسسات المغربية: هل يمكن إطلاق مبادرة لدراسة الشكايات الموثقة، وتقييم الصعوبات التي تواجه الآباء والأمهات في النزاعات الأسرية العابرة للحدود، واقتراح حلول قانونية تحمي حقوق الأطفال وتضمن الإنصاف للطرفين؟
إن مغاربة العالم لا يطالبون بالخروج عن القانون، بل بتطبيقه على نحو واضح ومتوازن، يراعي خصوصية الهجرة ويحفظ كرامة المواطن وحقوق أسرته.
MREmedia — صوت الجالية المغربية بالخارج، من أجل نقاش مسؤول وعدالة تحفظ الحقوق وتصون الروابط بين مغاربة العالم ووطنهم الأم.

تعليقات الزوار 0
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق على هذا المقال.