ليست قوة الدول بما ترفعه من شعارات، ولا بما تقدمه من خطابات عن ارتباط مواطنيها بوطنهم، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الشعارات إلى سياسات عمومية ملموسة، ومؤسسات قريبة من المواطنين، وآليات فعالة للإنصات والتدخل والمساءلة. وحين يتعلق الأمر بمغاربة العالم، فإن السؤال لم يعد محصوراً في حجم التحويلات المالية أو عدد الاستثمارات أو مظاهر الارتباط العاطفي بالوطن، بل أصبح يتعلق بجوهر العلاقة بين الدولة ومواطنيها المقيمين بالخارج: هل يحظى مغاربة العالم بالمواكبة المؤسساتية التي تتناسب مع مكانتهم الاستراتيجية، أم أن المسافة بين الخطاب والواقع ما تزال واسعة؟
هذا السؤال لا يستهدف مؤسسة بعينها، ولا ينطلق من موقف عدائي تجاه أي جهة، بل يعبر عن ضرورة سياسية ومؤسساتية تفرضها قضايا متراكمة، وشكاوى متداولة، وانتظارات مشروعة لدى شرائح من الجالية المغربية التي تريد أن ترى نتائج ملموسة، لا أن تظل موضوعاً للخطب الموسمية والمناسبات الرسمية.
مغاربة العالم ليسوا أرقاماً في التقارير
من الخطأ اختزال الجالية المغربية في حجم تحويلاتها المالية، أو اعتبارها رصيداً اقتصادياً يُستدعى الحديث عنه كلما تعلق الأمر بالاستثمار أو العملة الصعبة أو التنمية الوطنية.
مغاربة العالم مواطنون لهم حقوق ومصالح ومشكلات يومية، يعيشون بين منظومتين قانونيتين واجتماعيتين مختلفتين، ويتحملون أحياناً أعباء مضاعفة بسبب تعقيدات الإدارة، وتعدد المتدخلين، وصعوبة الوصول إلى المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب.
فمن يريد الاستثمار في المغرب قد يصطدم بمساطر إدارية معقدة أو صعوبة في تتبع ملفه. ومن يواجه نزاعاً أسرياً أو طلاقاً عابراً للحدود قد يجد نفسه أمام إشكالات قانونية دقيقة تتداخل فيها قوانين بلد الإقامة مع التشريعات المغربية، ومن يحتاج إلى توجيه قنصلي أو إداري قد يطرح أسئلة مشروعة حول سرعة الاستجابة، ووضوح الإجراءات، والجهة المسؤولة عن مواكبته.
وهنا ينبغي التمييز بين وجود المؤسسات من الناحية القانونية والتنظيمية، وبين مدى وصول خدماتها فعلياً إلى المواطنين. فوجود مؤسسة لا يكفي وحده لإثبات نجاعة أدائها؛ كما أن وجود صعوبات لدى بعض أفراد الجالية لا يعني بالضرورة غياب جميع الجهود، المعيار الحقيقي هو النتائج، وسهولة الولوج إلى الخدمات، ووضوح المسؤوليات، وإمكانية تقديم الشكاوى ومتابعتها.
الاستثمار في الوطن.. الثقة لا تُبنى بالشعارات
لطالما جرى التأكيد على أهمية استثمارات مغاربة العالم في الاقتصاد الوطني، لكن الاستثمار لا ينمو بمجرد الدعوة إليه، ولا تُبنى الثقة عبر الحملات التواصلية وحدها.
المستثمر المغربي المقيم بالخارج يحتاج إلى مساطر واضحة، ومعلومة دقيقة، وحماية قانونية، وشفافية في المعاملات، وآليات فعالة لتسوية النزاعات، كما يحتاج إلى معرفة الجهة التي يمكن أن يلجأ إليها عندما يتعثر مشروعه أو تتأخر معالجة ملفه.
والسؤال الذي يستحق النقاش هو: هل توجد مواكبة مؤسساتية كافية ومستمرة للمستثمرين من مغاربة العالم، أم أن جزءاً من الجهد يتركز على استقطابهم دون توفير المتابعة الضرورية بعد عودتهم إلى السوق المغربية؟
إن تشجيع الاستثمار مسؤولية تتجاوز الخطاب التحفيزي إلى بناء بيئة موثوقة، تجعل المواطن المغربي بالخارج شريكاً في التنمية، لا مجرد مصدر محتمل للتمويل.
الطلاق والنزاعات الأسرية.. ملفات لا تحتمل المعالجة السطحية
من أكثر الملفات حساسية تلك المرتبطة بالطلاق والنزاعات الأسرية ذات البعد الدولي، حيث قد تتقاطع الأحكام القضائية، ومسائل الحضانة والنفقة، والاعتراف بالأحكام الأجنبية، وتسجيل الوقائع المدنية، والآثار القانونية المترتبة على اختلاف الأنظمة التشريعية.
هذه القضايا لا يمكن التعامل معها بمنطق الوعظ أو الاكتفاء بإحالة المواطن من إدارة إلى أخرى، إنها تحتاج إلى توجيه قانوني واضح، وإرشاد إلى الجهات المختصة، وتعاون مؤسساتي فعال، ومعلومات موثوقة تشرح الحقوق والإجراءات والآجال.
ولا يعني ذلك أن تتدخل المؤسسات الإدارية في استقلال القضاء أو أن تحل محل المحامين، بل أن تضطلع كل جهة بمسؤوليتها في حدود اختصاصها، وأن تساعد المواطن على فهم المسار القانوني الصحيح وتجنب الأخطاء التي قد تكون لها تبعات إنسانية ومالية خطيرة.
فإذا كان المغرب يعتبر أبناءه بالخارج جزءاً من نسيجه الوطني، فإن صون مصالحهم القانونية والأسرية ينبغي أن يكون جزءاً من سياسة مؤسساتية واضحة، تراعي خصوصية الهجرة وتعدد القوانين المعنية.
أين التواصل المؤسساتي في دول المهجر؟
من الإشكالات التي تستحق التقييم أيضاً مدى انتظام اللقاءات التواصلية بين المؤسسات المعنية بالجالية وأفرادها في بلدان الإقامة.
فالتواصل لا ينبغي أن يقتصر على مناسبات احتفالية أو لقاءات بروتوكولية، ولا أن يتحول إلى نشاط موسمي تُلتقط خلاله الصور ثم ينتهي بانتهاء المناسبة، التواصل الحقيقي هو الذي يتيح للمواطن طرح أسئلته، وعرض مشكلاته، والحصول على أجوبة محددة، ومعرفة ما تحقق من الوعود السابقة.
وهنا تبرز الحاجة إلى لقاءات موضوعاتية تجمع المؤسسات المعنية، والفاعلين الجمعويين، والمهنيين، والخبراء القانونيين، وممثلي الجالية، مع نشر خلاصات واضحة وتحديد آجال لمعالجة الملفات التي تدخل ضمن الاختصاصات المعنية.
كما أن اعتماد قنوات رقمية فعالة، واستطلاعات دورية لقياس رضا المواطنين، وتقارير منشورة حول الشكاوى والطلبات ونتائج معالجتها، يمكن أن يحول التواصل من ممارسة شكلية إلى أداة للمساءلة وتحسين الأداء.
فالمواطن الذي يشارك في لقاء مؤسساتي لا يحتاج فقط إلى من يستمع إليه، بل يحتاج أيضاً إلى معرفة ما الذي سيحدث بعد انتهاء اللقاء.
من المسؤول عن الفجوة بين الانتظارات والخدمات؟
إن الحديث عن غياب المواكبة أو ضعف التواصل يقتضي طرح سؤال المسؤولية بوضوح، ولكن بعيداً عن التعميم أو توجيه الاتهامات دون أدلة.
هناك مؤسسات متعددة تتداخل اختصاصاتها في شؤون مغاربة العالم، من القطاعات الحكومية المعنية بالمغاربة المقيمين بالخارج، إلى التمثيليات الدبلوماسية والقنصلية، والمؤسسات الدستورية والاستشارية، والجهات الإدارية والقضائية المختصة داخل المغرب.
غير أن تعدد المتدخلين قد يجعل المواطن يتساءل عن الجهة التي تتحمل المسؤولية النهائية في التنسيق، وعن كيفية انتقال الملف من جهة إلى أخرى، وعن المسار المتاح عندما لا يحصل على جواب أو عندما يتعذر حل مشكلته.
المطلوب، إذن، ليس البحث عن خصم سياسي، بل تحديد الاختصاصات، وتقييم الأداء، ونشر المعطيات، وربط المسؤولية بالنتائج. فمن حق الرأي العام أن يعرف البرامج المنجزة، والميزانيات المخصصة، والأهداف المحققة، وأسباب التعثر، والإجراءات التصحيحية المعتمدة.
وإذا كانت هناك مبادرات ناجحة، فمن حق المؤسسات أن تعرضها بالأرقام والنتائج. وإذا كانت هناك اختلالات، فمن واجب الجهات المعنية الاعتراف بها ومعالجتها، أما الاكتفاء بتقديم صورة وردية عن واقع متنوع ومعقد، فإنه لا يساعد على تشخيص المشكلات ولا على بناء الثقة.
“العام زين”… هل تكفي الصورة الرسمية؟
إن عبارة “العام زين” ليست المشكلة في حد ذاتها، فالتفاؤل مطلوب، والترويج للمنجزات حق مشروع عندما يستند إلى وقائع قابلة للتحقق، لكن الإشكال يبدأ عندما يصبح الخطاب الإيجابي بديلاً عن النقاش، أو عندما تُقدَّم النجاحات دون الاعتراف بالتحديات، أو حين يُنظر إلى طرح الأسئلة باعتباره تشويشاً بدل اعتباره مساهمة في تصحيح المسار.
لا يمكن قياس نجاح سياسة الهجرة فقط بعدد اللقاءات المنظمة أو التصريحات المنشورة أو البرامج المعلن عنها، بل ينبغي قياسه بمدى تحسن حياة المواطنين، وسرعة معالجة طلباتهم، وجودة الخدمات، وفعالية التنسيق بين المؤسسات، وقدرة المتضررين على الوصول إلى حلول عادلة وفق القانون.
إن النقد المسؤول ليس إساءة إلى الوطن، والمطالبة بالمحاسبة ليست عداءً للمؤسسات، على العكس، فالمؤسسات القوية هي التي تتقبل الأسئلة، وتشرح قراراتها، وتصحح أخطاءها، وتثبت أن ثقة المواطنين ليست مجرد مطلب أخلاقي، بل مسؤولية عامة.
مغاربة العالم قضية استراتيجية وليست ملفاً موسمياً
للمغرب مصالح مشروعة في تعزيز علاقته بمواطنيه بالخارج، كما أن للجالية مصالح مشروعة في الحصول على خدمات موثوقة وحماية حقوقها ومواكبة مشاريعها.
وتزداد أهمية هذه العلاقة في ظل التحولات التي تعرفها الهجرة، وتنامي الأجيال الجديدة المولودة أو الناشئة في بلدان الإقامة، وتعدد تحديات الاندماج والهوية والمواطنة، وتطور احتياجات المغاربة بالخارج من جيل إلى آخر.
ومن المنظور الدبلوماسي، فإن قوة العلاقة بين الدولة وجاليتها لا تُقاس فقط بحضورها في المناسبات الرسمية، بل بقدرة المؤسسات على الحفاظ على الثقة، والاستجابة للاحتياجات، والتواصل بلغات وأساليب تناسب الأجيال المختلفة، والاستفادة من الكفاءات المغربية في الخارج باعتبارها شريكاً في التنمية والحوار بين المجتمعات.
ولهذا، فإن أي استراتيجية فعالة تجاه مغاربة العالم تحتاج إلى أهداف قابلة للقياس، وتنسيق مؤسساتي مستمر، وتقييم مستقل، وشفافية في النتائج، وآليات تضمن استمرارية العمل بعيداً عن منطق المواسم وتغير المسؤولين.
أسئلة تنتظر أجوبة واضحة
إن المرحلة تتطلب الانتقال من الخطاب العام إلى أسئلة عملية ومحددة:
- ما الآليات المتاحة لتتبع شكاوى مغاربة العالم، وما المدة التي تستغرقها معالجتها؟
- ما حجم المواكبة المقدمة للمستثمرين المغاربة بالخارج قبل إطلاق مشاريعهم وبعدها؟
- كيف تُوجَّه الأسر التي تواجه نزاعات قانونية عابرة للحدود إلى الجهات المختصة؟
- ما مدى انتظام اللقاءات التواصلية في بلدان الإقامة، وكيف تُنشر نتائجها؟
- كيف يجري التنسيق بين المؤسسات الحكومية والقنصلية والقضائية لتفادي ضياع المواطن بين الاختصاصات؟
- ما المؤشرات التي تُعتمد لقياس جودة الخدمات ورضا الجالية، وما الإجراءات المتخذة عندما تكشف التقييمات عن اختلالات؟
- اعادة النظر في دراسة طريقة المواعيد بالقنصليات والعمل على تطوير نظام متكامل وسهل؟
هذه ليست أسئلة تعجيزية، ولا مطالب خارجة عن المنطق المؤسساتي. إنها أسئلة ترتبط بالشفافية وجودة الخدمات وحق المواطن في معرفة ما يُنجز باسمه ولأجله.
الخلاصة: الثقة تُبنى بالفعل لا بالخطاب
إن مغاربة العالم لا يطالبون بمعاملة استثنائية خارج القانون، ولا بإعفائهم من مسؤولياتهم، بل يطالبون بأن تكون العلاقة بينهم وبين مؤسسات وطنهم قائمة على الوضوح والإنصاف والنجاعة والاحترام المتبادل.
ومن غير المنصف اختزال جميع جهود المؤسسات في صورة الغياب، كما أنه ليس من الموضوعية اختزال جميع معاناة الجالية في استثناءات فردية لا تستحق الدراسة. المطلوب هو التقييم الجاد الذي يميز بين ما تحقق، وما تعثر، وما يحتاج إلى إصلاح.
أما السؤال الذي يظل مطروحاً أمام المؤسسات المعنية، فهو: كيف يمكن الحديث عن تعبئة مغاربة العالم لخدمة التنمية الوطنية، دون تعبئة مؤسساتية موازية لخدمة مصالحهم ومواكبة قضاياهم في بلدان الإقامة؟
إن الجالية ليست خزّاناً للتحويلات المالية، ولا جمهوراً موسمياً للخطابات، ولا ملفاً يُفتح عند الحاجة ويُغلق عند انتهاء المناسبة، إنها جزء من المجتمع المغربي، وامتداد استراتيجي له، وشريك يستحق أن تكون العلاقة معه قائمة على الحقوق والواجبات والثقة المتبادلة.
فإلى متى ستظل بعض الأسئلة معلقة؟ ومتى يصبح التواصل المؤسساتي المستمر، والمواكبة القانونية والإدارية، وتقييم الأداء، والمساءلة عن النتائج، ركائز فعلية في تدبير ملف مغاربة العالم؟
أسئلة لا تستهدف أحداً بقدر ما تستهدف الإصلاح، ولا تبحث عن تصعيد بقدر ما تبحث عن أجوبة، لأن الوطن الذي يريد من أبنائه في الخارج أن يظلوا أوفياء لروابطهم به، مطالب بدوره بأن يجعلهم يشعرون بأن مؤسساته قريبة منهم، وأن قضاياهم مسموعة، وأن كرامتهم وحقوقهم ليستا مجرد عنوان في خطاب رسمي.
MREmedia — صوت قضايا مغاربة العالم، ومساحة للنقاش المسؤول من أجل تواصل مؤسساتي أكثر فعالية، وحقوق مصانة، وثقة تُبنى بالنتائج.

تعليقات الزوار 0
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق على هذا المقال.