بقلم: MREmedia
في المغرب، يتجدد النقاش حول تكافؤ الفرص كلما طُرحت مسألة العلاقة بين شروط الولوج إلى الوظيفة العمومية ومعايير اختيار المسؤولين لتولي المناصب الحكومية، وهو نقاش يتجاوز الأشخاص والأسماء، ليصل إلى جوهر السياسات العمومية، ومفهوم العدالة في توزيع الفرص، ومدى قدرة المؤسسات على الاستجابة لتطلعات الأجيال الجديدة.
ففي الوقت الذي يجد فيه عدد من الشباب المغاربة أنفسهم أمام شروط السن المحددة في بعض مباريات التوظيف، وما يرافقها من تحديات مرتبطة بالبطالة وصعوبة الاندماج المهني، يطرح استمرار مسؤولين متقدمين في العمر في مناصب حكومية حساسة تساؤلات مشروعة حول فلسفة تجديد النخب، وآليات الاستفادة من الكفاءات الشابة، ومدى التوازن بين الخبرة والتجديد.
بين منطق القانون وانتظارات المجتمع
من الناحية القانونية، لا يمكن وضع التوظيف في الوظيفة العمومية والتعيين في المناصب الحكومية في الخانة نفسها؛ فلكل مسار قواعده الدستورية والتنظيمية، ولكل منهما طبيعة مختلفة من حيث الشروط والمسؤوليات.
غير أن الاختلاف القانوني لا يمنع المجتمع من مناقشة الأبعاد السياسية والأخلاقية لتلك المعايير، ولا يعفي المؤسسات من مسؤولية توضيح فلسفة الاختيار وأهدافه، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمناصب تؤثر قراراتها في حاضر البلاد ومستقبلها.
فإذا كانت بعض القطاعات تضع شروطاً عمرية للولوج إلى وظائفها، فمن المشروع أن يتساءل المواطن عن المعايير التي تحكم استمرار المسؤولين في مواقع القرار، وعن الكيفية التي تضمن بها الدولة التوازن بين الخبرة المتراكمة والحاجة إلى ضخ دماء جديدة في الإدارة والحكومة.
إن السؤال هنا ليس ما إذا كان المسؤول المتقدم في السن قادراً أو غير قادر على أداء مهامه، فالعمر وحده لا يشكل معياراً موضوعياً للحكم على الكفاءة، وإنما يتعلق الأمر بمدى وجود رؤية واضحة لتجديد النخب، وتوسيع قاعدة المشاركة، وإعداد جيل جديد من المسؤولين القادرين على تحمل المسؤولية.
الشباب المغربي.. طموح مشروع وأسئلة بلا أجوبة كافية
لا يطالب الشباب المغربي بالضرورة بإقصاء الأجيال السابقة، ولا بالتقليل من قيمة التجربة والخبرة، بل إن جوهر مطالبهم يتمثل في الحصول على فرص عادلة، ومعايير واضحة، ومسارات مهنية لا تجعل السن وحده عائقاً أمام الكفاءة والطموح.
فالشاب الذي يستكمل دراسته، ويكتسب المؤهلات، وينتظر فرصة للاندماج في سوق الشغل، قد يجد نفسه أمام قيود إدارية لا تترك له هامشاً واسعاً للمنافسة. وفي المقابل، يرى أن بعض مواقع المسؤولية العليا تظل مفتوحة أمام شخصيات راكمت سنوات طويلة في تدبير الشأن العام.
ومن هنا تنشأ المفارقة التي تتداولها منصات التواصل الاجتماعي: لماذا يبدو عامل السن حاسماً في بعض مسارات التوظيف، بينما لا يؤدي الدور نفسه في مسارات أخرى لتولي المسؤولية؟
هذا التساؤل يستحق نقاشاً مؤسساتياً هادئاً ومسؤولاً، بعيداً عن الشخصنة أو الأحكام المسبقة. فالثقة في المؤسسات لا تقوم على وجود القواعد القانونية فحسب، بل تتعزز أيضاً عندما يشعر المواطن بأن فلسفة تلك القواعد مفهومة، وأن الفرص المتاحة تستند إلى معايير واضحة ومقنعة.
وزارة الأوقاف.. بين الخبرة وتجديد النخب
إن استمرار أحمد التوفيق على رأس وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية يفتح المجال لمناقشة أوسع بشأن معايير اختيار المسؤولين في القطاعات الحكومية، ومدى حضور مبدأ التداول وتجديد الكفاءات في تدبير المؤسسات.
ولا يتعلق الأمر بالطعن في شخص الوزير أو التقليل من تجربته، وإنما بطرح سؤال سياسي مشروع: كيف يمكن للدولة أن تستفيد من خبرة المسؤولين المخضرمين، وفي الوقت نفسه تتيح المجال أمام أجيال جديدة لاكتساب الخبرة وتحمل المسؤولية؟
فالخبرة عنصر مهم في تدبير المؤسسات، لكنها ليست بديلاً عن بناء المستقبل، وتجديد النخب لا يعني إقصاء أصحاب التجربة، كما أن الاستفادة من الخبرة لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لإغلاق الأبواب أمام الكفاءات الصاعدة.
إن التحدي الحقيقي يتمثل في بناء نموذج مؤسساتي يضمن استمرارية العمل، وينقل التجربة بين الأجيال، ويمنح الشباب فرصاً فعلية للمشاركة في صناعة القرار، وفق معايير موضوعية وشفافة.
اصلاح المعايير.. مدخل لتعزيز الثقة
إن النقاش الدائر حول السن والتوظيف والتعيين الحكومي يمكن أن يشكل فرصة لفتح ورش أوسع لتقييم شروط الولوج إلى الوظيفة العمومية، ومدى ملاءمتها للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المغرب.
كما يمكن أن يساهم في تعزيز النقاش حول تكوين القيادات الشابة، وتوسيع فرص تحمل المسؤولية، ووضع آليات أكثر وضوحاً لاختيار الكفاءات وتقييم الأداء.
فالدولة التي تراهن على الشباب في التنمية والابتكار والمنافسة الاقتصادية، مطالبة أيضاً بالتفكير في كيفية إدماجهم في مواقع المسؤولية، ليس باعتبارهم فئة انتخابية أو اجتماعية فحسب، بل باعتبارهم طاقة بشرية قادرة على المساهمة في تطوير السياسات والمؤسسات.
وفي المقابل، فإن أي إصلاح لهذه المعايير ينبغي أن يستند إلى دراسة قانونية وإدارية دقيقة، تراعي اختلاف الوظائف والمسؤوليات، وتحقق التوازن بين مبدأ تكافؤ الفرص ومتطلبات المرفق العام.
الخلاصة: لا صراع بين الأجيال، بل سؤال عن عدالة الفرص
إن المغرب لا يحتاج إلى وضع الشباب في مواجهة كبار المسؤولين، ولا إلى تحويل السن إلى معيار وحيد للحكم على الكفاءة، ما يحتاج إليه هو نقاش مؤسساتي جاد حول كيفية توزيع الفرص، وتجديد النخب، وضمان أن تظل المسؤولية العامة مفتوحة أمام الكفاءات وفق قواعد واضحة ومعلنة.
فالمسألة ليست كم يبلغ عمر المسؤول، بل كيف تُختار القيادات، وما المعايير التي تحكم استمرارها، وكيف يمكن ضمان انتقال الخبرة وفتح المجال أمام أجيال جديدة.
إن العدالة في الفرص لا تتحقق بمجرد اختلاف القواعد القانونية بين الوظائف والمناصب، بل تحتاج أيضاً إلى وضوح فلسفة الاختيار، وشفافية المعايير، وإيمان عملي بأن الشباب ليسوا مجرد مستقبل مؤجل، وإنما شركاء في حاضر البلاد.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن تتفاعل معه المؤسسات والنخب السياسية والرأي العام:
إذا كانت الخبرة حقاً أساسياً في تولي المسؤولية، فكيف يمكن تحويلها إلى رافعة لتكوين جيل جديد من القيادات، بدل أن تبقى المواقع العليا بعيدة عن تطلعات الشباب المغربي؟
هذا هو جوهر النقاش، وهذه هي المساحة التي ينبغي أن يلتقي فيها احترام الخبرة مع الحق المشروع في التجديد، ضمن دولة المؤسسات وسيادة القانون.

تعليقات الزوار 0
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق على هذا المقال.