هولندا | رشيد بخوش |

دقيقتان تحت قبة البرلمان قد تفتحان نقاشاً سياسياً امتد لسنوات: من يدافع فعلاً عن المناطق المهمشة؟ ومن يحوّل ثقة المواطنين إلى مسؤولية تجاه قضاياهم وانتظاراتهم؟

ليست السياسة مجرد مقاعد تُوزَّع، ولا الانتخابات مجرد أصوات تُجمع، ولا التمثيلية البرلمانية امتيازاً شخصياً يُمنح لمن فاز في صناديق الاقتراع، السياسة، في جوهرها، مسؤولية تجاه المواطنين، والتزام بالدفاع عن مصالحهم، وقدرة على تحويل معاناتهم اليومية إلى قضايا حقيقية داخل المؤسسات.

ومن هذا المنطلق، أعادت المداخلة البرلمانية لأسامة بريك، حول معاناة ساكنة إقليم ميدلت والعالم القروي والمناطق الجبلية، طرح سؤال جوهري: هل اختار المواطنون ممثلين يحملون هموم مناطقهم، أم أن بعض المناطق لا تتذكرها السياسة إلا عندما تقترب الانتخابات؟

قد لا تتجاوز المداخلة دقيقتين، لكن قيمة الخطاب السياسي لا تقاس بالوقت الذي يستغرقه، وإنما بأهمية القضايا التي يطرحها، وبمدى استمرارية الدفاع عنها، وبالنتائج التي يمكن أن تتحقق لصالح المواطنين.

ميدلت.. رسالة إلى الناخب المغربي

إن النقاش الذي أثارته هذه المداخلة يجب ألا يقتصر على الإشادة ببرلماني أو انتقاد آخر، بل ينبغي أن يتحول إلى فرصة لتوعية المواطنين بأهمية الاختيار السياسي المسؤول.

فالناخب ليس مجرد رقم في معادلة انتخابية، وليس دوره أن يمنح صوته ثم ينتظر سنوات أخرى حتى يُطلب منه تجديد الثقة، الناخب مواطن له الحق في السؤال والمحاسبة، ومن واجبه أن يتابع أداء ممثليه، وأن يطالبهم بتوضيح مواقفهم وحصيلتهم، وأن يقيّم مدى وفائهم للوعود التي قدموها.

إن الاختيار الواعي لا يقوم على القرابة أو الانتماء العائلي أو المصالح الضيقة أو الوعود الموسمية، بل على الكفاءة والنزاهة والبرنامج والقدرة على الترافع عن قضايا المنطقة، فالمنصب الانتخابي لا ينبغي أن يكون مكافأة اجتماعية، بل تكليفاً لخدمة الصالح العام.

الخميسات.. حين يصبح التهميش سؤالاً سياسياً

من ميدلت إلى الخميسات، ومن المناطق الجبلية إلى القرى البعيدة عن مراكز القرار، يظل السؤال المطروح هو نفسه: هل تحظى كل المناطق بحضور سياسي يتناسب مع حاجيات سكانها وانتظاراتهم؟

إن الحديث عن الخميسات ليس انتقاصاً من أي منتخب أو تشكيكاً في نياته، بل هو دعوة إلى فتح نقاش مسؤول حول التنمية المحلية، وحضور القضايا الاجتماعية والاقتصادية في العمل البرلماني، ومدى قدرة المؤسسات المنتخبة على إيصال صوت المواطنين إلى الجهات المعنية.

فحين يشعر المواطن بأن قضاياه لا تحظى بما يكفي من الاهتمام، فإن الحل لا يكون في الاستسلام أو العزوف عن المشاركة، بل في المطالبة بالمحاسبة، وتعزيز الوعي السياسي، والبحث عن تمثيلية تستجيب لتطلعات الساكنة.

ولا يمكن اختزال مسؤولية التنمية في البرلماني وحده؛ فهي مسؤولية تتقاسمها الحكومة والإدارات الترابية والجماعات الترابية والمنتخبون، كلٌّ بحسب اختصاصاته. لكن ذلك لا يعفي أي ممثل منتخب من واجب الترافع والرقابة والتواصل مع المواطنين.

لا تجعلوا الأصوات الانتخابية رهينة الحسابات الضيقة

من أكبر التحديات التي تواجه الحياة السياسية أن يتحول الاختيار الانتخابي إلى امتداد للعلاقات العائلية أو الولاءات الشخصية، بدل أن يكون قراراً مبنياً على المصلحة العامة.

فلا ينبغي أن تتحكم الحسابات الضيقة في مستقبل القرى والمدن، ولا أن يصبح الانتماء العائلي معياراً يسبق الكفاءة والبرنامج والقدرة على تحمل المسؤولية. فالمناطق لا تتقدم بمجرد فوز أحد أبنائها، وإنما تتقدم حين يكون هذا الفوز بداية لعمل جاد ومحاسبة مستمرة.

إن المرشح الذي يستحق ثقة المواطنين هو من يقدم تصوراً واضحاً لتنمية المنطقة، ويشرح ما يستطيع تحقيقه ضمن صلاحياته، ويظل مستعداً لمناقشة حصيلته علناً. أما الوعود التي لا تخضع للمتابعة والتقييم، فلا ينبغي أن تكون أساساً لتجديد الثقة.

شباب المناطق المهمشة.. قوة التغيير تبدأ من الوعي

إن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى الشباب في ميدلت والخميسات وسائر مناطق المغرب هي أن مستقبل مناطقهم ليس شأناً يخص السياسيين وحدهم، بل مسؤولية مجتمعية تبدأ بالوعي والمشاركة والمساءلة.

فالشباب مطالبون بمتابعة النقاشات البرلمانية، وطرح الأسئلة بشأن البرامج التنموية، والمطالبة بالشفافية، والمشاركة في الحياة العامة، وعدم ترك المجال للآخرين كي يقرروا وحدهم مستقبل مناطقهم.

كما أن الأحزاب السياسية مطالبة بتجديد نخبها، وإتاحة المجال أمام الكفاءات الشابة، وتقديم مرشحين قادرين على فهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية، بعيداً عن منطق الاستقطاب الموسمي.

إن التغيير لا يصنعه خطاب واحد، ولا تحققه مداخلة برلمانية مهما كانت أهميتها؛ بل تصنعه ثقافة سياسية جديدة تجعل المواطن شريكاً في القرار، وتجعل المنتخب مسؤولاً أمام من منحوه ثقتهم.

الخلاصة: قيمة المقعد في خدمة المواطن

قد تكون مداخلة أسامة بريك مناسبة لإعادة طرح النقاش حول واقع التمثيلية السياسية للمناطق الجبلية والقروية، لكن الاختبار الحقيقي سيظل في استمرارية الترافع، ومتابعة الملفات، وطرح الأسئلة، ومراقبة تنفيذ السياسات العمومية، ومدى انعكاس ذلك على حياة المواطنين.

ميدلت ليست وحدها، والخميسات ليست وحدها، وكل منطقة مهمشة تستحق أن يكون لها صوت مسموع وحضور فعلي في أولويات التنمية.

لقد حان الوقت لكي يدرك المواطن المغربي أن صوته الانتخابي ليس مجاملة لأحد، ولا إرثاً عائلياً، ولا وسيلة لقضاء مصلحة ظرفية، بل أمانة ووسيلة للمشاركة في صناعة المستقبل.

فالبرلمان ليس مكاناً لاستعراض الخطابات، بل مؤسسة للمراقبة والتشريع والترافع عن المصالح العامة. والمنتخب ليس سيداً على الناخب، بل ممثل له ومسؤول أمامه.

وحين يتعلم المواطن كيف يختار، وكيف يتابع، وكيف يحاسب، تبدأ السياسة في استعادة معناها الحقيقي: خدمة الناس، وصيانة كرامتهم، وتحقيق العدالة بين المناطق، حتى لا يبقى التهميش قدراً مفروضاً على قرية أو مدينة أو إقليم.