بقلم: مغاربة العالم MRE
في أوساط الجالية المغربية المقيمة بهولندا، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع العلاقات الاجتماعية والسياسية، وحيث تُبنى السمعة بسنوات من العمل والاجتهاد، قد تتحول منصات التواصل الاجتماعي، في لحظة، من فضاء للتواصل وتبادل الآراء إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات وتداول روايات تحتاج إلى التحقق والتدقيق.
وفي خضم هذا المشهد، تبرز تساؤلات مشروعة حول ما يُتداول بشأن سيدة أعمال مغربية بهولندا، وحول الجهات التي تقف وراء بعض الخطابات المتداولة، والأهداف التي تخدمها، ومدى التزام مروّجيها بأبسط قواعد المسؤولية الإعلامية والأخلاقية.
لسنا هنا أمام دعوة إلى الانحياز لهذا الطرف أو ذاك، ولا أمام محاولة لإصدار أحكام مسبقة، بل أمام سؤال جوهري:
من المستفيد من تحويل الخلافات والادعاءات المتداولة إلى مادة للاستهلاك الجماعي، ومن يتحمل مسؤولية ما قد يترتب عنها من أضرار على السمعة والمكانة الاجتماعية؟
الأخطبوط الرقمي.. نفوذ يتجاوز حدود الشاشة
حين نتحدث عن “الأخطبوط”، فإننا نستحضر صورة شبكة من العلاقات والتأثيرات التي قد تتشابك عبر الحسابات والصفحات والمجموعات الرقمية، فتُضخّم رواية معينة، وتُعاد مشاركتها على نطاق واسع، قبل أن تتاح للمعنيين فرصة الرد أو للرأي العام فرصة التحقق من الوقائع.
غير أن إثبات وجود شبكة منظمة، أو تحديد الجهات التي تديرها، يتطلب أدلة واضحة ومعطيات قابلة للتحقق؛ فالتشكيك لا يعوّض البرهان، والانتشار الواسع لا يمنح الادعاءات صفة الحقيقة.
إن خطورة هذا النوع من المشاهد لا تكمن فقط في مضمون ما يُنشر، بل كذلك في الآليات التي قد تحوّل الادعاء إلى ما يشبه الحكم النهائي في أعين الجمهور، وتدفع أشخاصًا إلى إصدار مواقفهم استنادًا إلى مقاطع مجتزأة أو روايات أحادية الجانب.
وهنا تكمن مسؤولية كل من يمتلك منبرًا أو جمهورًا: هل ينقل الوقائع، أم يساهم، عن قصد أو دون قصد، في تضخيم اتهامات لم تُحسم صحتها؟
الجالية المغربية بهولندا أكبر من أن تتحول إلى جمهور في معارك الآخرين
إن الجالية المغربية بهولندا ليست كتلة واحدة تُقاد بالعناوين المثيرة، ولا جمهورًا ينبغي استدراجه إلى معارك لا تتضح خلفياتها كاملة، إنها مجتمع متنوع، يضم رجال أعمال ونساء أعمال وكفاءات وأطرًا وشبابًا وفاعلين جمعويين، ويساهم أفراده في الاقتصاد والمجتمع والحياة المدنية.
ومن غير المقبول أن تصبح الخلافات الشخصية أو المهنية، متى وُجدت، مناسبة لتأليب أفراد الجالية بعضهم على بعض، أو لإشعال حملات رقمية تُضعف الثقة وتغذي الانقسامات.
إن قوة الجالية لا تُقاس بعدد المشاركات والتعليقات، بل بقدرتها على التمييز بين المعلومة والإشاعة، وبين النقد المشروع والتشهير، وبين المطالبة بالمحاسبة وتصفية الحسابات.
ليس كل من رفع صوته صاحب حجة، وليس كل ما تصدر منصات التواصل يستحق أن يتحول إلى حقيقة متداولة.
سيدة الأعمال وقرينة البراءة وحق الرد
إن تناول أي قضية ترتبط بسيدة أعمال مغربية أو بأي شخصية عامة يقتضي احترام حق الرد، والتثبت من المعلومات، وعدم تحويل الاتهامات المتداولة إلى وقائع ثابتة من دون أدلة.
فالاختلاف، مهما بلغت حدته، لا يبرر المساس بالكرامة الإنسانية، كما أن المكانة الاجتماعية أو الاقتصادية لأي شخص لا تمنحه حصانة من النقد المشروع، ولا تجعله في المقابل هدفًا مباحًا لحملات الإدانة الجماعية.
وفي دولة المؤسسات والقانون، ومنها مملكة هولندا، لا ينبغي أن تحل المحاكمات الافتراضية محل المساطر القانونية، ولا أن تصبح شعبية المنشور بديلًا عن قوة الدليل، وإذا كانت هناك وقائع تستوجب المساءلة، فإن الطريق السليم هو تقديم الأدلة إلى الجهات المختصة، مع احترام حقوق جميع الأطراف.
أما إطلاق الأحكام على الأشخاص بناءً على روايات غير مكتملة، فهو سلوك يهدد الثقة العامة ويُسيء إلى النقاش داخل مجتمع يحتاج إلى التماسك أكثر من حاجته إلى الضجيج.
من حرية التعبير إلى المسؤولية الدبلوماسية
إن حرية التعبير مكسب أساسي، لكنها لا تعني إلغاء المسؤولية عن الكلمة المنشورة، فالتعبير عن الرأي حق، وانتقاد السلوك العام مشروع، والمطالبة بالشفافية أمر ضروري؛ لكن نشر الوقائع المزعومة يقتضي التثبت، وتوجيه الاتهامات يستلزم أساسًا يمكن الدفاع عنه.
كما أن صورة المغاربة في الخارج ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية مشتركة تتوزع بين الإعلام والفاعلين الجمعويين والاقتصاديين والسياسيين، وبين كل من يشارك في تشكيل الرأي العام داخل الجالية.
ومن هذا المنطلق، فإن الخطاب المسؤول لا يدعو إلى التستر على المخالفات، ولا إلى حماية أي شخص من المساءلة، وإنما يطالب بمعيار واحد للجميع: الدليل قبل الاتهام، والإنصاف قبل الإدانة، والقانون قبل التشهير.
إن الدفاع عن كرامة مغربية أو مغربي في الخارج لا ينبغي أن يتحول إلى حرب مضادة، بل إلى مطالبة واضحة بالحقائق، وبحق الرد، وبالمحاسبة وفق القانون إذا ثبت وقوع مخالفات.
الرسالة إلى صناع المحتوى والفاعلين داخل الجالية
إن من يمتلك جمهورًا واسعًا يمتلك تأثيرًا، ومن يمتلك التأثير يتحمل مسؤولية مضاعفة، فالكلمة التي تُنشر في دقائق قد تترك أثرًا يمتد سنوات، والمعلومة التي تُتداول بلا تحقق قد يصعب تصحيحها حتى بعد ظهور الحقيقة.
ولهذا، فإننا ندعو كل الفاعلين إلى التحلي بالمسؤولية، وعدم الانجرار وراء الروايات غير المكتملة، وعدم تحويل المنصات الرقمية إلى أدوات للضغط الشخصي أو التشهير أو تصفية الحسابات.
كما ندعو إلى إفساح المجال أمام جميع الأطراف لعرض مواقفها، وإلى الفصل بين النقد المبني على الوقائع والخطاب الذي يستهدف الأشخاص، وإلى الاحتكام إلى المؤسسات المختصة متى كانت هناك ادعاءات جدية تستوجب التحقيق.
الخلاصة: الحقيقة لا تحتاج إلى جوقة، بل إلى دليل
إن القضية المطروحة، بصرف النظر عن تفاصيلها التي تحتاج إلى التحقق، تفتح نقاشًا أوسع حول أخلاقيات التواصل الرقمي داخل الجالية المغربية بهولندا والمغرب، وحول حدود المسؤولية حين تصبح السمعة الإنسانية موضوعًا للتداول العام.
فإذا كانت هناك أخطاء، فلتُعرض أدلتها، وإذا كانت هناك اتهامات، فليُتحقق منها، وإذا تعرض أي طرف للتشهير، فليكن الإنصاف متاحًا له عبر الوسائل القانونية المناسبة، أما تحويل الشكوك إلى أحكام، والروايات إلى حقائق، والجمهور إلى أداة في معارك الآخرين، فلن يخدم الجالية ولا صورتها ولا مصالح أبنائها.
إن الجالية المغربية بهولندا أكبر من أن تُختزل في صراعات المنصات، وأرقى من أن تنساق خلف كل رواية رائجة، وأقوى حين تجعل الحقيقة والإنصاف وسيادة القانون أساسًا لمواقفها.
وفي نهاية المطاف، لا يُقاس نفوذ أي “أخطبوط” بعدد الأيدي التي يمدها، بل بمدى قدرة المجتمع على كشف الحقيقة بالأدلة، ومقاومة التضليل بالوعي، وحماية كرامة الإنسان دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير.
مغاربة العالم MRE — الكلمة مسؤولية، والحقيقة أمانة، والكرامة حق للجميع.

تعليقات الزوار 0
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق على هذا المقال.