حين يعترف الدستور بحقوق المواطنة الكاملة، يصبح السؤال الحقيقي: كيف تتحول هذه الحقوق إلى مشاركة سياسية فعلية، وصوت مسموع داخل المؤسسة التشريعية؟
ليس من قبيل المبالغة القول إن قضية التمثيلية السياسية لمغاربة العالم أصبحت أحد الملفات التي تختبر مدى قدرة المؤسسات المغربية على تحويل المقتضيات الدستورية إلى ممارسة ديمقراطية ملموسة. فالمغاربة المقيمون بالخارج ليسوا فئة هامشية في المجتمع المغربي، ولا مجرد امتداد جغرافي للوطن خارج حدوده، بل هم مواطنون يحملون هويته، ويدافعون عن مصالحه، ويساهمون في اقتصاده، ويحافظون على روابطه الإنسانية والثقافية عبر أجيال متعاقبة.
ومع ذلك، يظل السؤال مطروحاً بقوة: أين يوجد الصوت السياسي المستقل لمغاربة العالم داخل البرلمان المغربي؟ وأين هي الآليات التي تضمن أن تتحول انشغالاتهم اليومية إلى قوانين وتشريعات وسياسات عمومية؟
إنها أسئلة مشروعة، لا تستهدف مؤسسة بعينها، ولا تنتقص من جهود الدولة، وإنما تنطلق من حق المواطنين في مساءلة السياسات العمومية والمطالبة بتفعيل الالتزامات الدستورية.
دستور 2011: المواطنة الكاملة لا ينبغي أن تبقى وعداً مؤجلاً
شكّل دستور المملكة المغربية لسنة 2011 محطة مهمة في الاعتراف بحقوق المغاربة المقيمين بالخارج ومكانتهم داخل المشروع الوطني.
فالفصل 16 يؤكد التزام المملكة بحماية الحقوق والمصالح المشروعة لهذه الفئة، وصيانة هويتها الوطنية وتعزيز مساهمتها في تنمية الوطن.
أما الفصل 17، فينص بوضوح على تمتع المغاربة المقيمين بالخارج بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشيح، ويشير إلى إمكانية تقديم الترشيحات على مستوى الدوائر واللوائح المحلية والجهوية والوطنية، مع إحالة شروط وكيفيات الممارسة الفعلية لهذه الحقوق إلى القانون.
ويؤكد الفصل 18 ضرورة عمل السلطات العمومية على ضمان أوسع مشاركة ممكنة للمغاربة المقيمين بالخارج في المؤسسات الاستشارية وهيئات الحكامة الجيدة.
هذه المقتضيات الدستورية ليست مجرد عبارات للاحتفاء بها في المناسبات الوطنية، بل هي مرجعية ينبغي أن توجه العمل التشريعي والمؤسساتي، وأن تُقاس على أساسها النتائج المحققة.
ومع ذلك، يجب التمييز بين الاعتراف الدستوري بحق التصويت والترشيح وبين وجود تمثيلية برلمانية مباشرة ومنظمة انطلاقاً من بلدان الإقامة. فالأمر الثاني يظل موضوع نقاش سياسي ومؤسساتي، ولا ينبغي اختزاله في مجرد وجود الحق الدستوري من الناحية النظرية.
المصدر: النص الرسمي للدستور المغربي لسنة 2011.
برلمان الأمة أم برلمان لا يزال ينتظر الإنصات إلى جزء من الأمة؟
البرلمان، بحكم طبيعته الدستورية، فضاء للتشريع ومراقبة العمل الحكومي والتعبير عن مختلف المصالح والانشغالات المجتمعية. ومن هذا المنطلق، فإن قضية مغاربة العالم لا ينبغي أن تظل محصورة في لقاءات موسمية أو نقاشات ظرفية أو خطابات تستحضر دور الجالية كلما تعلق الأمر بالاستثمار والتحويلات المالية والدفاع عن صورة المغرب في الخارج.
فمغاربة العالم يواجهون ملفات معقدة تتطلب مواكبة تشريعية وسياسية مستمرة، من بينها قضايا العقار والميراث والاستثمار، ومشاكل بعض المعاملات الإدارية والقنصلية، وحماية الحقوق والمصالح في بلد الأصل، وتسهيل نقل الخبرات والكفاءات، وتعزيز مشاركة الأجيال الجديدة في الحياة الوطنية.
ومن الطبيعي أن يطرح المواطن المقيم في هولندا أو فرنسا أو بلجيكا أو إسبانيا أو غيرها من بلدان الإقامة سؤالاً بسيطاً في صياغته، عميقاً في دلالته: من يحمل انشغالاتي إلى قبة البرلمان؟ ومن يتابع هذه الملفات بانتظام؟ ومن يضمن ألا تختفي مطالبنا بمجرد انتهاء موسم الخطابات والوعود؟
إن وجود مغاربة من أصول مهاجرة أو ذوي خبرة في بلدان الإقامة داخل بعض المؤسسات لا يعادل بالضرورة وجود تمثيلية مباشرة منتخبة من مغاربة العالم، ذات تفويض واضح وآليات مساءلة مرتبطة بقضاياهم.
وهنا تكمن المسألة الأساسية: ليس المطلوب مجرد حضور رمزي، بل مشاركة سياسية فعالة، تتيح التأثير في التشريع ومراقبة السياسات العمومية.
لا نريد امتيازات خاصة، بل إنصافاً ديمقراطياً
إن المطالبة بتمثيلية سياسية أكثر فعالية لمغاربة العالم لا تعني السعي إلى امتياز خارج النظام الديمقراطي، ولا تعني خلق مواطن من درجة أولى وآخر من درجة ثانية. بل تنطلق من مبدأ المساواة في المواطنة، ومن ضرورة إيجاد آليات انتخابية ومؤسساتية تستجيب لخصوصية ملايين المواطنين الذين يعيشون خارج التراب الوطني، لكنهم لم يتخلوا عن جنسيتهم ولا عن حقهم في المشاركة في تدبير الشأن العام.
فالمساواة لا تتحقق دائماً بمجرد إعلان الحقوق، وإنما تحتاج أيضاً إلى شروط عملية تجعل ممارستها ممكنة وفعالة.
وإذا كان الدستور قد أقر حق التصويت والترشيح، فإن النقاش المسؤول يقتضي الانتقال إلى الأسئلة التنفيذية: كيف يمكن تسهيل مشاركة الناخبين من الخارج؟ وكيف يمكن إزالة العراقيل العملية أمام الترشيح؟ وما الصيغة الأنسب لضمان حضور فعلي لقضايا الجالية داخل البرلمان؟
يمكن أن يشمل النقاش إحداث دوائر انتخابية بالخارج، أو وضع آليات تشريعية بديلة تضمن تمثيلية مباشرة وفعالة، أو تطوير صيغ أخرى قابلة للتطبيق. والمهم هو أن تخضع هذه الخيارات لنقاش عمومي جاد، يستمع إلى مغاربة العالم ومختلف الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين، وينتهي إلى حلول واضحة وقابلة للتنفيذ والتقييم.
مغاربة العالم ليسوا خزّاناً اقتصادياً فقط
من غير المنصف اختزال العلاقة بين المغرب وجاليته في التحويلات المالية أو الاستثمار أو السياحة أو مساهمة الكفاءات في التنمية. فهذه المساهمات مهمة بلا شك، لكنها لا تختصر معنى الانتماء الوطني ولا تحدد قيمة المواطن داخل دولته.
المغربي المقيم بالخارج ليس مطالباً بإثبات وطنيته عبر تحويلاته المالية، ولا ينبغي أن تقاس مكانته بحجم استثماراته أو قدرته على جلب العملة الصعبة.
إنه مواطن له حقوق سياسية، كما أن عليه واجبات قانونية ووطنية، تماماً كما هو الشأن بالنسبة إلى المواطنين المقيمين داخل المملكة.
ومن هنا، فإن الإنصاف يقتضي التعامل مع مغاربة العالم باعتبارهم شركاء في صناعة القرار الوطني، لا مجرد داعمين لاقتصاد الوطن أو سفراء غير رسميين له في مجتمعات الإقامة.
إن الاستثمار في الثقة السياسية لا يقل أهمية عن الاستثمار الاقتصادي، لأن المواطن الذي يشعر بأن صوته مسموع، وأن مؤسساته تنصت إليه، يكون أكثر استعداداً للمساهمة في التنمية وتعزيز الروابط مع بلده.
مسؤولية الأحزاب والمؤسسات: من الاعتراف إلى الفعل
لا يمكن تحميل مؤسسة واحدة مسؤولية هذا الملف المعقد. فالأمر يتطلب انخراط الحكومة والبرلمان والأحزاب السياسية والمؤسسات المعنية بمغاربة العالم، إلى جانب المجتمع المدني والكفاءات والفعاليات المنتخبة في الخارج.
وتتحمل الأحزاب السياسية مسؤولية خاصة في هذا المجال، باعتبارها مؤسسات للتأطير والوساطة السياسية. ومن حق الرأي العام أن يسائلها عن مدى إدماج قضايا مغاربة العالم في برامجها، وعن مدى فتحها المجال أمام كفاءاتهم للمشاركة في القرار، وعن استعدادها لتقديم مقترحات تشريعية واضحة بشأن التمثيلية السياسية.
كما أن المؤسسة التشريعية مطالبة بإبقاء هذا الملف ضمن أولويات النقاش العمومي، عبر دراسة الصيغ الممكنة، والاستماع إلى الفاعلين المعنيين، وتقييم مدى فعالية الآليات القائمة.
أما المؤسسات المكلفة بشؤون المغاربة المقيمين بالخارج، فينبغي أن تضطلع بدور داعم للتشاور وتنسيق المطالب وإيصالها إلى الجهات المختصة، دون أن يكون دورها بديلاً عن التمثيلية الانتخابية أو عن صلاحيات البرلمان.
إن المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات، بل تحديد المسؤوليات، ووضع جدول أعمال واضح، وإعلان خطوات قابلة للقياس، حتى لا تبقى القضية رهينة التصريحات المتكررة.
مغاربة العالم والانتخابات: المشاركة وحدها لا تكفي
إن تسهيل التصويت من الخارج خطوة مهمة، لكنه لا يجيب وحده عن جميع الأسئلة المتعلقة بالتمثيلية السياسية.
فالمشاركة الانتخابية لا تقتصر على الإدلاء بالصوت، بل تشمل أيضاً إمكان الترشح الفعلي، والتنافس وفق قواعد واضحة، وإيصال مطالب الناخبين إلى المؤسسات، ثم محاسبة المنتخبين على أدائهم.
وقد أطلقت السلطات المغربية، في إطار الاستعداد للانتخابات التشريعية لسنة 2026، منصة إلكترونية لتيسير إجراءات التصويت بالوكالة لفائدة المغاربة المقيمين بالخارج. وهي خطوة إجرائية تتعلق بتسهيل التصويت، لكنها لا ينبغي أن تُخلط تلقائياً مع إقرار دوائر برلمانية مستقلة بالخارج أو ضمان مقاعد مخصصة لتمثيل الجالية.
المصدر: وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج.
وهنا ينبغي أن تتجه الأسئلة إلى جوهر الإصلاح: هل تضمن الآليات الحالية مشاركة سياسية متكافئة وفعالة؟ وهل تتيح لمغاربة العالم اختيار ممثليهم بصورة مباشرة وفق صيغة انتخابية ملائمة؟ وهل توجد مساءلة واضحة بشأن الملفات التي تهمهم؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من قيمة الإجراءات القائمة، بل تضعها في سياقها الصحيح، باعتبارها جزءاً من مسار أوسع يفترض أن يفضي إلى مشاركة سياسية أكثر فعالية.
مغاربة العالم: روح وطنية لا تقبل الإقصاء من النقاش
حين نقول إن مغاربة العالم يشعرون أحياناً بأنهم مواطنون بلا صوت سياسي كافٍ، فإننا لا نعني أنهم بلا وطن أو أن الدستور لا يعترف بهم. فالوطنية لا تختفي بسبب المسافة، والحقوق الدستورية لا تزول بتغيير بلد الإقامة.
لكن الإحساس بالانتماء يحتاج إلى مؤسسات تجسده، وإلى قنوات تتيح للمواطن التأثير في القرارات التي تمس مصالحه وحقوقه.
إن التحدي الحقيقي أمام المغرب هو بناء علاقة مؤسساتية أكثر نضجاً مع جاليته، علاقة لا تقوم على استدعاء عاطفة الانتماء وحدها، بل على الثقة والحقوق والمشاركة والمسؤولية المشتركة.
فمغاربة العالم جزء من الحاضر الوطني ومن مستقبله، ومن حقهم أن يكونوا شركاء في صياغة السياسات التي تؤثر في علاقتهم بوطنهم الأم.
ولا يمكن أن تتحول هذه العلاقة إلى شراكة مكتملة إذا ظل سؤال التمثيلية السياسية مفتوحاً دون مسار إصلاحي واضح ومعلن.
الخلاصة: دستور يُفعّل، ومواطنة تُمارس، وتمثيلية تُناقش بجدية
إن قوة الدولة لا تتجلى فقط في قدرتها على تعبئة مواطنيها حول القضايا الوطنية الكبرى، بل أيضاً في قدرتها على ضمان مشاركة مواطنيها في المؤسسات، والاستجابة لانشغالاتهم، وتطوير آليات ديمقراطية تستوعب التحولات الاجتماعية والجغرافية التي يعرفها المجتمع المغربي.
ومن هذا المنطلق، فإن مطلب التمثيلية السياسية لمغاربة العالم يستحق نقاشاً وطنياً مسؤولاً، بعيداً عن المزايدات والتخوين والتوظيف الظرفي.
المطلوب هو فتح حوار مؤسساتي جاد حول الصيغ الممكنة، وتحديد الآجال والخطوات اللازمة، وإشراك الكفاءات والجمعيات والفعاليات المدنية والسياسية بالخارج، مع احترام الاختصاصات الدستورية والقواعد الانتخابية.
فمغاربة العالم لا يطالبون بوطن بديل، ولا بمواطنة استثنائية، بل بمواطنة كاملة تجد طريقها إلى الممارسة والمؤسسات.
وإذا كان دستور 2011 قد وضع الأساس القانوني لهذا الطموح، فإن الرهان اليوم هو الانتقال من الاعتراف بالمبدأ إلى البحث عن آليات فعالة لتجسيده.
إن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مطروحاً أمام البرلمان والأحزاب والحكومة هو: إلى متى سيظل مطلب التمثيلية السياسية المباشرة لمغاربة العالم موضوع نقاش، دون أن يتحول إلى مسار إصلاحي واضح المعالم؟
فالوطن الذي يتسع لأبنائه في الجغرافيا، ينبغي أن يتسع أيضاً لأصواتهم في المؤسسات.
- MREmedia — صوت الجالية، ومتابعة قضايا المواطنة والتمثيلية والحقوق.

تعليقات الزوار 0
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق على هذا المقال.