بقلم: MREmedia

في السياسة، ليست كل المعارك التي تُخاض أمام الكاميرات تُحسم في الكواليس، وليست كل العبارات التي تُقال بثقة تتحول إلى قرارات نافذة، أحياناً، تكفي حقيبة وزارية واحدة لتكشف الفارق بين الموقف الحزبي والقرار المؤسساتي، وبين الرغبة في رسم حدود النفوذ والقدرة الفعلية على التأثير في مخرجات المشهد السياسي.

قصة رشيد الطالبي العلمي وفوزي لقجع تقدم نموذجاً لافتاً لهذا التباين، فحين نُسب إلى الطالبي العلمي قوله، في سياق الجدل حول تولي لقجع وزارة الاقتصاد والمالية: “والله لا شافها”، بدا التصريح وكأنه يرسم خطاً سياسياً أحمر حول واحدة من أهم الحقائب الوزارية في المغرب، غير أن التطورات اللاحقة وضعت هذا الموقف أمام اختبار الواقع، بعدما انتهى المسار بتولي لقجع حقيبة الاقتصاد والمالية.

هنا، لا يتعلق الأمر بمجرد تصريح عابر أو اختلاف في وجهات النظر، بل بمشهد يستحق قراءة سياسية هادئة، تتجاوز منطق الانتصار الشخصي والهزيمة الفردية، لتلامس طبيعة العلاقات داخل الأحزاب، وحدود النفوذ في هندسة الحكومات، ومكانة المؤسسات في حسم الاختيارات الكبرى.

حين لا تكفي اللغة الحادة لصناعة القرار، في الممارسة السياسية، قد تعكس التصريحات الحادة حجم التنافس بين الفاعلين، لكنها لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة على فرض الخيارات. فالقرار الحكومي لا يُصنع بالعبارات القوية وحدها، ولا يُحسم وفق رغبات الأفراد، وإنما يتأثر بموازين القوى، والحسابات السياسية، وطبيعة التحالفات، والمساطر الدستورية والمؤسساتية.

ومن هذا المنطلق، فإن وصول فوزي لقجع إلى وزارة الاقتصاد والمالية يبرز حدود الرهان على الخطاب باعتباره أداة كافية لتحديد من يتولى المناصب الاستراتيجية. فالسياسة، في نهاية المطاف، ليست ساحة لتبادل التصريحات فقط، بل مجال تتقاطع فيه المصالح والاختصاصات والاعتبارات التي لا تظهر جميعها إلى العلن.

وزارة المالية ليست مجرد حقيبة وزارية

تكتسي وزارة الاقتصاد والمالية أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطها المباشر بإعداد الميزانية، وتدبير الموارد العمومية، والسياسات الجبائية، وتمويل البرامج الحكومية، ومواكبة التوازنات المالية للدولة.

ولهذا، فإن النقاش بشأن من يتولى هذه المسؤولية يتجاوز الأسماء إلى طبيعة المرحلة الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها البلاد، فالمعيار الأساسي ليس من انتصر في سجال سياسي، ولا من استطاع فرض حضوره في معركة التصريحات، بل ما إذا كانت الإدارة المالية ستنجح في تحقيق النجاعة في الإنفاق العمومي، وتحسين مناخ الاستثمار، وتعزيز العدالة الجبائية، والاستجابة للانتظارات الاجتماعية.

إن أهمية المنصب تفرض أن يُقاس أداء شاغله بالنتائج والسياسات، لا بالجدل الذي سبق تعيينه.

بين الطالبي العلمي ولقجع: ماذا تقول الوقائع؟

من السهل تحويل هذه الواقعة إلى مواجهة شخصية، والحديث عن منتصر ومهزوم، لكن القراءة الدبلوماسية تقتضي التمييز بين ما تثبته الوقائع وما تستنتجه التحليلات.

الثابت أن تصريحاً حاداً نُسب إلى الطالبي العلمي، وأن لقجع انتهى به المسار السياسي إلى تولي وزارة الاقتصاد والمالية، أما القول إن ذلك يشكل هزيمة شخصية للطالبي العلمي، أو دليلاً قاطعاً على تراجع نفوذه، فيحتاج إلى معطيات أوسع تتعلق بموقعه داخل حزبه، وعلاقاته بباقي مكونات المشهد السياسي، وقدرته على التأثير في القرارات المقبلة.

ومع ذلك، فإن التباين بين التصريح والنتيجة يمنح الواقعة دلالتها السياسية الواضحة: المواقف المعلنة، مهما بلغت حدتها، لا تتحول تلقائياً إلى حقائق مؤسساتية.

الدرس الأعمق: السياسة تُحسم بالقدرة على بناء التوافق

في الأنظمة السياسية التي تقوم على المؤسسات والتوازنات، لا يكفي الاعتراض على اختيار معين لإلغائه، كما لا يكفي إعلان الطموح للحصول على منصب استراتيجي، فالمسألة ترتبط بقدرة الفاعلين على بناء التوافقات، وتوفير شروط الاختيار، واحترام المسارات الدستورية، والتعامل مع النتائج كما تفرزها العملية السياسية.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة ما جرى باعتباره تذكيراً بأن لغة القطع والحسم قد تكون مؤثرة في النقاش العام، لكنها تظل مختلفة عن لغة القرار، فالأولى تعبّر عن موقف صاحبها، أما الثانية فتتجسد في المؤسسات والإجراءات والاختيارات النهائية.

كما أن المسؤولية السياسية لا تقتصر على إطلاق المواقف، بل تشمل القدرة على إدارة الاختلاف، وتجنب تحويل التنافس الحزبي إلى سجال شخصي قد يحجب القضايا الحقيقية التي ينتظر المواطنون معالجتها.

ما بعد التصريحات يبدأ امتحان المسؤولية، إن وصول فوزي لقجع إلى وزارة الاقتصاد والمالية يضع الواقعة في إطارها الأكثر دلالة: ليس باعتبارها مناسبة لتصفية الحسابات أو توزيع شهادات الانتصار والهزيمة، بل باعتبارها مثالاً على المسافة التي قد تفصل بين الخطاب السياسي ومخرجات القرار المؤسساتي.

لقد انتهى الجدل بشأن اسم الوزير إلى نتيجة واضحة، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ الآن، في السياسات المالية والقرارات الاقتصادية ومدى انعكاسها على حياة المواطنين.

أما الطالبي العلمي، شأنه شأن بقية الفاعلين السياسيين، فسيظل تقييم موقعه رهيناً بمواقفه وأدواره اللاحقة، لا بتصريح واحد مهما كان وقعه.

فالسياسة لا تُقاس فقط بما يقوله الفاعلون، بل بما يستطيعون تحقيقه، وبما تفرضه المؤسسات، وبما تتركه القرارات من أثر في واقع الناس، وفي نهاية المطاف، قد تختصر عبارة واحدة لحظة من لحظات التنافس السياسي، لكن حقيبة بحجم وزارة المالية تظل مسؤولية دولة، لا جائزة في سجال حزبي.

MREmedia | قراءة سياسية تتجاوز ضجيج التصريحات إلى دلالات القرار.