حين تتقاطع الثقة السياسية مع السوابق القضائية، يصبح النقاش حول معايير تولي المسؤولية الحكومية ضرورة مؤسساتية، لا مجرد سجال حزبي عابر.

أعاد تعيين فاطمة السعدي، القيادية بحزب الأصالة والمعاصرة والرئيسة السابقة لجماعة الحسيمة، في منصب وزيرة منتدبة مكلفة بالإسكان وسياسة المدينة، إلى الواجهة ملفاً قضائياً قديماً ارتبط بفترة تدبيرها للشأن المحلي، وأثار تساؤلات حول العلاقة بين المسؤولية السياسية والمساءلة القانونية.

فبحسب تقارير صحفية مغربية، صدر في حق السعدي حكم بشهر واحد حبسا موقوف التنفيذ في سياق قضية مرتبطة بهدم حديقة بحي مرموشة بمدينة الحسيمة. غير أن التطورات القضائية التي عرفها الملف تستوجب الرجوع إلى منطوق الأحكام والقرارات ذات الصلة، تفادياً للخلط بين التهم موضوع المتابعة وما ثبت قضائياً بصورة نهائية.

لكن بعيداً عن التفاصيل القانونية التي ينبغي حسمها بالوثائق الرسمية، فإن استحضار هذا الملف بالتزامن مع تولي مسؤولية حكومية يفتح نقاشاً سياسياً ومؤسساتياً مشروعاً: ما المعايير التي ينبغي اعتمادها عند اختيار أعضاء الحكومة؟ وإلى أي حد تحضر اعتبارات النزاهة، والثقة العامة، واحترام القانون في تقييم أهلية المسؤولين لتولي المناصب العمومية؟

المسؤولية الحكومية أكبر من الحسابات الحزبية

إن تولي حقيبة حكومية ليس امتيازاً حزبياً فحسب، بل مسؤولية عمومية تقتضي الالتزام بمبادئ الشفافية والمحاسبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي مبادئ يقرها الدستور المغربي.

ومن هذا المنطلق، فإن تقييم التعيينات الحكومية لا ينبغي أن يتحول إلى تصفية حسابات سياسية، كما لا ينبغي أن يُختزل في الدفاع الحزبي عن الأشخاص. فالمصلحة العامة تقتضي توضيح الوقائع، وإتاحة المعلومات القضائية الدقيقة، وتمكين الرأي العام من تكوين موقفه على أساس معطيات موثوقة، بعيداً عن التشهير أو التبرير غير المستند إلى الأدلة.

كما أن وجود حكم قضائي سابق، أياً كانت طبيعته، يستدعي قراءة قانونية دقيقة تأخذ بعين الاعتبار منطوق الحكم، ومآل الطعون، والآثار القانونية المترتبة عنه، بدلاً من الاكتفاء بالعناوين المثيرة أو الاستنتاجات المتسرعة.

الإسكان والتعمير.. قطاع يحتاج إلى الثقة والشفافية

تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة القطاع الذي أُسند إلى المسؤولة الحكومية، إذ يرتبط الإسكان والتعمير بتدبير المجال الحضري، واحترام ضوابط البناء، وحماية حقوق المواطنين، وتسوية ملفات عقارية وعمرانية قد تكون شديدة الحساسية.

وفي قطاع بهذه الأهمية، تظل الثقة في المؤسسات والمسؤولين عن تدبيره عاملاً أساسياً في تعزيز مصداقية السياسات العمومية، ومن ثم، فإن توضيح الملفات القضائية التي تحيط بالمسؤولين العموميين، متى كانت موثقة وذات صلة، يخدم الشفافية المؤسساتية ولا يتعارض معها.

سؤال سياسي مشروع، بعيداً عن منطق التشهير

لا يتعلق الأمر بإصدار أحكام سياسية مسبقة أو التشكيك في الأشخاص خارج ما تثبته الوثائق، بل بطرح سؤال مشروع حول المعايير الأخلاقية والمؤسساتية التي ينبغي أن ترافق التعيينات الحكومية.

فالمواطن المغربي، داخل الوطن وخارجه، من حقه أن ينتظر من المؤسسات توضيحاً كافياً بشأن القضايا التي تثير نقاشاً عاماً، وأن يرى في المسؤولية الحكومية التزاماً بخدمة الصالح العام، لا مجرد امتداد للتوازنات الحزبية.

إن قوة المؤسسات لا تقاس بقدرتها على احتواء الجدل، بل بقدرتها على مواجهته بالشفافية، واحترام القضاء، وتقديم أجوبة واضحة للرأي العام.

وفي نهاية المطاف، يبقى الاحتكام إلى الوثائق الرسمية، واحترام الأحكام القضائية، والفصل بين المسؤولية القانونية والتقييم السياسي، السبيل الأضمن لنقاش عمومي جاد يوازن بين حق المجتمع في المعرفة وحق الأفراد في عدم تحميلهم ما لم تثبته الأحكام.

MREmedia | السياسة مسؤولية، والشفافية أساس الثقة.