بقلم: هيئة تحرير MREmedia

في الدول التي تحترم قواعد الحكامة الجيدة، لا يُقاس نجاح المسؤول السياسي بحجم الثروة التي راكمها، ولا بعدد الشركات التي يملكها أو يديرها، بل بمدى احترامه للقانون، وقدرته على الفصل بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، واستعداده للخضوع للمساءلة عندما تثار أسئلة مشروعة حول تدبير الشأن العام.

ومن هذا المنطلق، يحق للمغاربة أن يطرحوا سؤالاً جوهرياً بشأن تجربة عزيز أخنوش، رجل الأعمال الذي انتقل من عالم المال إلى رئاسة الحكومة: هل استطاعت المؤسسات أن تضمن الفصل الفعلي بين السلطة السياسية والمصالح الاقتصادية، أم أن هذا الفصل ظل، في بعض الملفات، موضع تساؤل وانتقاد؟

إنه سؤال سياسي وقانوني يتعلق بمستقبل الثقة في المؤسسات، وليس حكماً مسبقاً على النيات أو إدانة لأي شخص.

أولاً: حين يصبح الجمع بين السلطة والثروة اختباراً للدولة

لم يكن عزيز أخنوش مجرد سياسي صعد من داخل حزب؛ فقد ارتبط اسمه بمجموعة “أكوا” ومصالح اقتصادية واسعة، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة سنة 2021، وهذا الواقع يجعل مسألة تضارب المصالح جزءاً أساسياً من النقاش حول ممارسته للمسؤولية العامة.

فامتلاك الشركات في حد ذاته ليس جريمة، والاستثمار الخاص ليس تهمة، ونجاح رجل الأعمال لا ينبغي أن يكون سبباً لإقصائه من الحياة السياسية، لكن الإشكال يبدأ عندما يصبح صاحب المصالح الاقتصادية الواسعة مسؤولاً عن سياسات وقرارات حكومية قد تؤثر في القطاعات التي تنشط فيها شركاته.

هنا لا يكفي أن يقول المسؤول إن القانون يُطبَّق على الجميع، ولا أن يؤكد أن الصفقات تمت وفق المساطر المعمول بها، المطلوب هو وجود ضمانات مؤسساتية قابلة للتحقق، تمنع تضارب المصالح، وتضمن تكافؤ الفرص، وتتيح رقابة مستقلة على القرارات التي قد تمس المنافسة أو المال العام.

ففي دولة المؤسسات، لا يُطلب من المواطنين أن يثقوا في التصريحات وحدها؛ بل يُطلب من المؤسسات أن تقدم الأدلة والوثائق التي تجعل الثقة نتيجةً للشفافية، لا مجرد واجب مفروض على الرأي العام.

ثانياً: صفقة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء… سؤال لا يجوز تجاهله

من أبرز الملفات التي أثارت نقاشاً سياسياً حول تضارب المصالح، مشروع محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء.

فقد فاز تحالف يضم شركة “أفريقيا غاز” و “Green of Africa”، إلى جانب الشركة الإسبانية “Acciona”، بمشروع استراتيجي لتحلية المياه، في سياق تولي أخنوش رئاسة الحكومة السابقة، وأثار هذا الملف انتقادات من أحزاب معارضة، من بينها حزب العدالة والتنمية، بشأن العلاقة بين موقع رئيس الحكومة ومصالح الشركات المرتبطة به.

وفي جلسة برلمانية بتاريخ 16 ديسمبر 2024، دافع أخنوش عن شفافية مسطرة طلب العروض، مؤكداً أن العرض الفائز كان الأفضل، كما نفى حصول المشروع على دعم مالي من الدولة وفق ما صرح به حينها.

هذه التصريحات جزء من الموقف المعلن لرئيس الحكومة، لكنها لا تُنهي وحدها النقاش القانوني والمؤسساتي.

فالمسألة ليست ما إذا كان المشروع مهماً للمغرب؛ إذ لا خلاف على الأهمية الاستراتيجية للأمن المائي،  وليست المسألة أيضاً ما إذا كان الاستثمار الخاص ضرورياً؛ فهو عنصر أساسي في التنمية.

السؤال الحقيقي هو: ما الضمانات التي كفلت استقلالية مسطرة المنافسة؟ وكيف جرى تدبير أي احتمال لتضارب المصالح؟ وهل خضعت القرارات ذات الصلة لرقابة مستقلة وموثقة؟ وهل توجد نتائج رسمية منشورة تسمح للرأي العام بالتحقق من سلامة الإجراءات؟

إن المطالبة بالإجابة عن هذه الأسئلة لا تعني إدانة أحد، بل تعني أن المشاريع الاستراتيجية لا ينبغي أن تكون بمنأى عن التدقيق، مهما كانت مكانة الأطراف المشاركة فيها.

فالماء ملك للمغاربة، والمشاريع الاستراتيجية شأن عام، والشفافية فيها حق للمواطن وليست منّة من المسؤول.

ثالثاً: القانون لا يحاسب النيات، لكنه لا يجوز أن يتجاهل تضارب المصالح

يقوم النظام الدستوري المغربي على مبادئ ربط المسؤولية بالمحاسبة، والمساواة أمام القانون، وحماية المال العام، واحترام قواعد الحكامة الجيدة.

وتتصل هذه المبادئ، على وجه الخصوص، بالفصل 36 من الدستور المتعلق بالوقاية من الانحرافات لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، فضلاً عن اختصاصات المجلس الأعلى للحسابات المنصوص عليها في الفصل 147.

لكن وجود المبادئ الدستورية لا يكفي وحده؛ فالقيمة الحقيقية لأي قاعدة قانونية تظهر في كيفية تطبيقها، وفي قدرة المؤسسات على التحقق من الوقائع وترتيب الآثار القانونية عند ثبوت المخالفات.

وفي تقريرها الخاص بالمغرب ضمن مؤشر النزاهة ومكافحة الفساد لسنة 2026، أشارت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الإطار التنظيمي المغربي يتضمن قواعد بشأن تضارب المصالح والتصريح بالممتلكات، لكنها رصدت، ضمن أوجه القصور، عدم وضوح بعض الحالات التي ينشأ فيها تضارب المصالح والعقوبات المطبقة على أعضاء الحكومة عند وقوع المخالفات.

وهنا تبرز الحاجة إلى تطوير آليات الوقاية والتصريح بالمصالح، وتعزيز الرقابة على تطبيق القواعد، وتوضيح النتائج التي تترتب على المخالفات المثبتة.

فلا معنى لقواعد النزاهة إذا تعذر التحقق من احترامها، ولا معنى للتصريح بالممتلكات إذا لم تكن هناك آليات فعالة للتدقيق والمتابعة، ولا معنى لربط المسؤولية بالمحاسبة إذا بقيت نتائج المراقبة بعيدة عن اطلاع المواطنين.

ومع ذلك، ينبغي التأكيد على أن إثارة شبهة تضارب المصالح لا تعادل ثبوت جريمة، وأن تحديد المسؤولية القانونية يظل من اختصاص الجهات المختصة، استناداً إلى الأدلة والإجراءات القانونية.

رابعاً: هل يكفي تغيير المسؤولين من دون كشف الحقائق؟

تتجاوز المساءلة مجرد البقاء في المنصب أو مغادرته، فقد تنتهي ولاية مسؤول سياسي، لكن الأسئلة المتعلقة بالقرارات التي اتُّخذت خلال فترة تدبيره تظل قائمة.

وإذا أثيرت شبهات جدية بشأن صفقات عمومية أو دعم حكومي أو قرارات تنظيمية قد تكون لها آثار على مصالح خاصة، فإن انتهاء الولاية السياسية لا ينبغي أن يكون سبباً لإغلاق باب التحقق.

المطلوب هو تحديد الوقائع، وفحص الوثائق، والاستماع إلى الأطراف المعنية، ونشر النتائج التي يسمح القانون بنشرها، وترتيب المسؤوليات عند ثبوت المخالفات.

فالمحاسبة ليست انتقاماً سياسياً، وليست حملة لتصفية الحسابات، وإنما إجراء مؤسساتي لحماية المال العام وضمان تكافؤ الفرص ومنع تكرار الاختلالات.

ومن حق أي مسؤول أن يستفيد من قرينة البراءة والضمانات القانونية، كما أن من حق المواطنين أن يعرفوا كيف تُدبَّر الأموال العامة، ولماذا تُتخذ القرارات الكبرى، وما إذا كانت المؤسسات الرقابية قد فحصت الملفات التي تثير نقاشاً عاماً واسعاً.

خامساً: أين تنتهي مصالح الشركات وأين تبدأ مصلحة الدولة؟

في التجارب الديمقراطية، لا يُطلب من رجال الأعمال الذين يدخلون الحياة السياسية أن يتخلوا عن حقهم في الملكية، لكن يُطلب منهم احترام قواعد أكثر صرامة في تدبير المصالح الخاصة خلال ممارسة السلطة العامة.

ويشمل ذلك، بحسب طبيعة الحالة والقواعد القانونية المطبقة، الإفصاح عن المصالح، وتجنب المشاركة في القرارات التي تنشئ تضارباً فعلياً، وضمان استقلالية إجراءات التعاقد العمومي، وإتاحة الرقابة على القرارات المؤثرة في المنافسة.

ومن منظور الدبلوماسية الاقتصادية، فإن وضوح هذه القواعد لا يحمي المواطن المغربي فحسب، بل يعزز أيضاً ثقة المستثمرين في السوق الوطنية، فالمستثمر الجاد يحتاج إلى منافسة عادلة، وقواعد مستقرة، وإدارة لا تمنح امتيازات على أساس القرب من السلطة.

أما حين يشعر الفاعلون الاقتصاديون بأن فرصهم قد تتأثر بعلاقات النفوذ، فإن ذلك يضعف الثقة في مناخ الأعمال ويضر بصورة المؤسسات، حتى قبل أن تثبت أي مخالفة قانونية بعينها.

لهذا، فإن الفصل بين السلطة والثروة ليس مطلباً حزبياً ضيقاً، بل شرط من شروط دولة القانون، وركيزة من ركائز التنمية المستدامة، وضمانة لحماية سمعة المغرب الاقتصادية والمؤسساتية.

سادساً: السؤال الذي ينتظر المغاربة جواباً عنه

لا يحتاج المغرب إلى محاكمات إعلامية، كما لا يحتاج إلى حصانة سياسية غير معلنة، ما يحتاج إليه هو مؤسسات قادرة على الإجابة عن الأسئلة الصعبة بالوثائق والقانون.

هل جرى التحقق، بصورة مستقلة وموثقة، من حالات تضارب المصالح التي أثارتها المعارضة والصحافة؟ وهل أُعلنت نتائج هذه المراجعات، إن أُجريت، بما يسمح بتقييم القرارات والإجراءات؟ وهل تكفي القواعد الحالية لضمان عدم استفادة أي مسؤول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من موقعه السياسي؟ وإذا كانت هناك ثغرات تشريعية أو رقابية، فلماذا لا تُعالج؟

هذه أسئلة مشروعة لا تستهدف شخصاً بعينه بقدر ما تختبر قوة الدولة وقدرة مؤسساتها على حماية المصلحة العامة.

فالدولة القوية ليست تلك التي تمنع النقاش حول مسؤوليها، بل تلك التي تستطيع حسم الخلافات بالحقائق. وليست تلك التي تعتبر كل انتقاد مؤامرة، بل تلك التي تميز بين الادعاء غير المدعوم والبلاغ الذي يستحق التحقيق، ثم تعلن ما انتهت إليه المؤسسات وفق القانون.

خاتمة: خدمة الوطن مسؤولية وليست امتيازاً

إن السؤال بشأن عزيز أخنوش لا ينبغي أن يُختزل في كونه رجل أعمال أصبح رئيساً للحكومة، ولا في اتهامات سياسية لا يجوز اعتبارها أحكاماً نهائية، السؤال الأعمق هو ما إذا كانت منظومة الرقابة والمحاسبة قادرة على ضمان الفصل بين المصلحة العامة والمصالح الخاصة، أياً كان اسم المسؤول أو حجم ثروته أو موقعه.

ومن حق المغاربة أن يطالبوا بتوضيح الملفات المثيرة للجدل، وبنشر نتائج التدقيق حين تسمح القوانين بذلك، وبمراجعة القواعد التي قد تترك تضارب المصالح من دون معالجة واضحة، ومن واجب المؤسسات أن تستجيب لهذه المطالب بأدوات الرقابة والقضاء والتشريع، لا بالشعارات وحدها.

فالوطن ليس شركة خاصة، والدولة ليست امتداداً لمصالح أي مجموعة اقتصادية، والمسؤولية الحكومية ليست درعاً يحجب الأسئلة المشروعة.

وفي المقابل، فإن النقد المسؤول لا يصدر أحكاماً قبل الأدلة، ولا يستبدل القضاء بالمحاكمة الإعلامية؛ بل يطالب بتحقيق مستقل وشفاف، ونتائج قابلة للتحقق، ومحاسبة قانونية كلما ثبتت المخالفة.

ذلك هو جوهر دولة القانون: أن يكون القانون فوق الجميع، وأن تكون المصلحة العامة مقدمة على كل اعتبار، وأن يعرف المواطن أن لا أحد أكبر من المساءلة، ولا أحد أصغر من الحماية القانونية.

MREmedia — من أجل إعلام مسؤول، وحق المواطن في المعرفة، وربط السلطة بالمحاسبة.