بقلم: هيئة التحرير – مغاربة العالم MRE

ليس السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كان مجلس الجالية المغربية بالخارج سيستمر في أداء مهامه بصيغته الحالية فحسب، بل يتعلق أساساً بطبيعة المؤسسة التي يريدها المغرب لمواطنيه المقيمين بالخارج: هل نريد مجلساً يستجيب لانتظارات الجالية، ويعكس تنوعها الجغرافي والثقافي والمهني، ويمنح كفاءاتها موقعاً حقيقياً في صياغة السياسات العمومية؟ أم نكتفي بإصلاح شكلي لا يرقى إلى مستوى التحولات العميقة التي عرفتها الهجرة المغربية خلال العقود الأخيرة؟

إن هذا السؤال يكتسي أهمية خاصة في سياق النقاش حول مستقبل المؤسسات المعنية بمغاربة العالم، وحول مدى قدرة الحكومة على الانتقال من تدبير ملف الجالية بمنطق إداري تقليدي إلى مقاربة مؤسساتية حديثة، قوامها التمثيلية والمساءلة والنجاعة.

التوجيهات الملكية تضع الإصلاح في صلب النقاش

في خطاب 6 نونبر 2024 بمناسبة الذكرى التاسعة والأربعين للمسيرة الخضراء، أعلن جلالة الملك محمد السادس عن توجه نحو إعادة هيكلة المؤسسات المعنية بالمغاربة المقيمين بالخارج، بما يضمن عدم تداخل الاختصاصات وتشتت الفاعلين، والاستجابة للحاجيات الجديدة للجالية.

كما شدد الخطاب على ضرورة أن يقوم مجلس الجالية المغربية بالخارج بدوره كاملاً باعتباره إطاراً للتفكير وتقديم الاقتراحات، وأن يعكس تمثيلية مختلف مكونات الجالية.

وتحمل هذه التوجيهات دلالات مؤسساتية واضحة؛ فالمطلوب ليس مجرد تغيير في الأسماء أو إعادة ترتيب للمناصب، بل بناء إطار قادر على مواكبة جالية لم تعد تقتصر على الهجرة العمالية التقليدية، وإنما أصبحت تضم خبراء وأطباء ومهندسين وباحثين ومستثمرين وفاعلين اقتصاديين وثقافيين وحقوقيين، إلى جانب أجيال جديدة وُلدت ونشأت في بلدان الإقامة.

ومن هذا المنطلق، فإن أي إصلاح لا يمنح هذه التحولات مكانتها داخل بنية المجلس سيظل إصلاحاً ناقصاً، مهما كانت الصيغة القانونية التي سيُعتمدها.

هل ستتجه الحكومة إلى حل المجلس أم إلى إعادة هيكلته؟

من الضروري التمييز بين حل مجلس الجالية المغربية بالخارج كمؤسسة، وبين مراجعة إطاره القانوني وتركيبته وطريقة اشتغاله.

فالتوجه الذي ورد في الخطاب الملكي يتعلق بإعادة الهيكلة وضمان قيام المجلس بأدواره كاملة، كما أظهرت وثائق رسمية حكومية وبرلمانية أن إصلاح الإطار القانوني وتركيبة المجلس ظل ضمن محاور العمل المؤسساتي المرتبط بملف مغاربة العالم.

وعليه، لا يصح الجزم بأن الحكومة ستتجه إلى حل المجلس نهائياً ما لم يصدر قرار رسمي أو يُعتمد نص قانوني واضح بهذا الشأن.

لكن النقاش الحقيقي يتجاوز المصطلحات القانونية، فحتى إذا استمر المجلس باسمه وصفته، فإن تجديد تركيبته وآليات تعيين أعضائه وتحديد أولوياته قد يحدث تحولاً جوهرياً في أدائه، وفي المقابل، فإن تغيير الاسم أو البنية التنظيمية وحده لن يحقق الغاية المرجوة ما لم يصاحبه إصلاح فعلي للتمثيلية والاستقلالية والفعالية.

إن الرهان المطروح أمام الحكومة ليس الدفاع عن مؤسسة في حد ذاتها، ولا إلغاءها لمجرد المطالبة بالتغيير، وإنما ضمان أن تكون المؤسسة في خدمة المغاربة المقيمين بالخارج، وأن تمتلك من الشرعية والقدرة ما يجعلها جديرة بثقتهم.

هل حان الوقت كي يتولى أحد مغاربة العالم رئاسة المجلس؟

هذا هو السؤال الأكثر حساسية في النقاش الدائر حول مستقبل المجلس، وهو أيضاً سؤال مشروع من زاوية التمثيلية السياسية والمؤسساتية.

فالمغاربة المقيمون بالخارج ليسوا مجرد فئة تحتاج إلى خدمات إدارية أو برامج ثقافية واجتماعية، بل هم مواطنون تربطهم بالوطن علاقات أسرية واقتصادية وثقافية وحقوقية، ولدى كثير منهم خبرة مباشرة بتجارب بلدان الإقامة في مجالات الحكامة والتدبير والتخطيط والسياسات العمومية.

ومن الطبيعي، في هذا السياق، أن يُطرح حق الكفاءات المنحدرة من الجالية في الوصول إلى مواقع المسؤولية داخل المؤسسات التي تعنى بقضاياها، بما فيها رئاسة مجلس الجالية، وفق ضوابط قانونية واضحة ومعايير الكفاءة والنزاهة والاستقلالية.

غير أن هذا المطلب ينبغي التمييز فيه بين ما هو ممكن سياسياً ومؤسساتياً، وما هو مقرر قانونياً، فلا يمكن اعتبار رئاسة المجلس من طرف شخصية مقيمة بالخارج أمراً محسوماً، كما لا يجوز تقديمها باعتبارها قراراً حكومياً مؤكداً دون سند رسمي.

والأجدر أن ينصب النقاش على سؤال أكثر عمقاً: لماذا لا يُفتح المجال أمام كفاءات مغاربة العالم للتنافس على رئاسة المجلس، متى سمح الإطار القانوني بذلك، وفق معايير معلنة وإجراءات شفافة؟

إن الانتماء إلى الجالية لا ينبغي أن يكون امتيازاً تلقائياً، كما لا ينبغي أن يتحول الإقامة داخل المغرب إلى معيار إقصاء، الفيصل هو القدرة على تمثيل مختلف مكونات الجالية، وفهم قضاياها، والدفاع عن مصالحها، والعمل باستقلالية ومسؤولية في إطار الثوابت والمؤسسات الوطنية.

من التمثيلية الرمزية إلى المشاركة الفعلية

لقد تغيرت طبيعة الجالية المغربية بالخارج بصورة عميقة. فالمغاربة في هولندا وبلجيكا وفرنسا وإسبانيا وألمانيا وبقية بلدان العالم ليسوا كتلة متجانسة؛ بل تختلف أوضاعهم القانونية والاجتماعية والمهنية، وتتباين انتظارات الأجيال الأولى والثانية والثالثة، كما تتنوع انشغالات النساء والشباب والكفاءات والمقاولين والفاعلين الجمعويين.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في تعيين عدد من الوجوه المنحدرة من الخارج داخل المجلس، بل في بناء منظومة تمثيلية تمنع احتكار الصوت باسم الجالية، وتضمن تنوع الآراء والخبرات، وتتيح وصول الكفاءات على أساس معايير موضوعية.

ويقتضي ذلك التفكير في آليات واضحة لاختيار الأعضاء، وإمكانية تقديم الترشيحات وفق شروط معلنة، وضمان تمثيل مختلف مناطق العالم والأجيال والتخصصات، إلى جانب وضع قواعد للمساءلة الدورية ونشر التقارير والتوصيات ومتابعة مدى تفاعل المؤسسات الحكومية معها.

كما أن الثقة لا تُبنى بالتعيينات وحدها، وإنما بقدرة المجلس على الاستماع إلى الجالية المغربية بالخارج، وإيصال انشغالاتهم إلى صناع القرار، وتقديم اقتراحات عملية بشأن ملفات الإقامة ولمّ الشمل، والحقوق الاجتماعية، واللغة والثقافة، والتعليم، والاستثمار، والمشاركة في الحياة العامة، مع مراعاة اختلاف التشريعات الوطنية في بلدان الإقامة.

إن الجالية لا تحتاج إلى مؤسسة تتحدث باسمها فقط مقرها الرباط، بل إلى مؤسسة تتيح لها أن تكون شريكاً في تحديد الأولويات وتقييم النتائج من عين المكان او يكون هناك مكاتب بالقنصليات المغربية بالخارج.