هولندا | رشيد بخوش
في أعقاب الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة، يتجدد النقاش حول موقع مغاربة العالم ضمن الهندسة المؤسساتية للدولة، ومدى الحاجة إلى إطار وزاري مستقل يواكب انتظارات الجالية المغربية وتحديات ارتباطها بالوطن.
نعم أعاد غياب وزارة مستقلة للهجرة ومغاربة العالم عن التشكيلة الحكومية الجديدة طرح تساؤلات في أوساط الجالية المغربية بالخارج، بشأن الاختيارات المؤسساتية المعتمدة لتدبير هذا الملف، الذي تتداخل فيه الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والدبلوماسية.
ولا يرتبط النقاش، في جوهره، بمجرد إحداث حقيبة وزارية أو الاستغناء عنها، بقدر ما يتعلق بمكانة مغاربة العالم ضمن الرؤية الاستراتيجية للمغرب، وبطبيعة الآليات الحكومية الكفيلة بضمان مواكبة قضاياهم وتعزيز مشاركتهم في مسار التنمية الوطنية.
فالجالية المغربية المقيمة بالخارج دستور و وطنية بلا روح، تمثل امتداداً بشرياً واقتصادياً وثقافياً للمملكة، كما تضطلع بدور مهم في تعزيز الروابط بين المغرب وبلدان الإقامة، والمساهمة في الاستثمار ونقل الخبرات والدفاع عن المصالح المغربية في فضاءات متعددة، وهو ما يجعل تدبير شؤونها ملفاً يتجاوز المعالجة الإدارية التقليدية، ليرتبط أيضاً بالدبلوماسية الاقتصادية والثقافية وبالسياسات العمومية الموجهة للمواطنين المغاربة خارج أرض الوطن.
ومن هذا المنطلق، يطرح استمرار تدبير شؤون المغاربة المقيمين بالخارج ضمن قطاع الشؤون الخارجية سؤالاً مشروعاً حول مدى قدرة الصيغة المؤسساتية الحالية على تحقيق التوازن بين متطلبات العمل الدبلوماسي، من جهة، والحاجة إلى سياسة متخصصة ومتكاملة في مجال الهجرة وشؤون الجالية، من جهة أخرى.
بين النجاعة المؤسساتية والتمثيلية السياسية
إن عدم إحداث وزارة مستقلة لا يعني بالضرورة تراجع الاهتمام الرسمي بمغاربة العالم، كما أن إحداثها لا يشكل، في حد ذاته، ضمانة كافية لتحقيق انتظاراتهم، فالمعيار الأساسي يظل مرتبطاً بوضوح الاختصاصات، وفعالية التنسيق بين المؤسسات، والقدرة على اتخاذ القرارات ومتابعة تنفيذها، فضلاً عن وجود قنوات منتظمة للحوار مع الكفاءات والفعاليات المدنية والاقتصادية للجالية.
ومع ذلك، فإن غياب حقيبة وزارية مستقلة قد يدفع إلى التساؤل عن مدى حضور هذا الملف في سلم الأولويات الحكومية، وعن الآليات التي ستعتمدها الحكومة لضمان معالجة القضايا اليومية لمغاربة العالم، من الخدمات القنصلية وتبسيط المساطر الإدارية، إلى حماية الحقوق والمصالح، وتشجيع الاستثمار، وتعزيز المشاركة في الحياة الوطنية.
رسالة الجالية إلى الحكومة الجديدة في شخص وزيرة الحكومة
تنتظر شرائح واسعة من مغاربة العالم أن تكون المرحلة المقبلة مناسبة لتطوير العلاقة بين المؤسسات المغربية والجالية، على أساس الإنصات والشفافية والنجاعة، بعيداً عن اختزال هذه العلاقة في التحويلات المالية أو الزيارات الموسمية، وبما يعكس مكانة المغاربة المقيمين بالخارج باعتبارهم مواطنين لهم حقوق وانتظارات ومساهمات متعددة.
ومن الناحية الدبلوماسية، فإن تعزيز الثقة بين الجالية ومؤسسات بلدها الأصلي يكتسي أهمية خاصة، بالنظر إلى دور المغاربة في الخارج في بناء جسور التواصل والتعاون بين المغرب ودول الإقامة، وهو ما يستدعي تنسيقاً مستمراً بين القطاعات الحكومية والبعثات الدبلوماسية والقنصلية، إلى جانب إشراك فعلي لممثلي الجالية في صياغة الحلول المتعلقة بقضاياهم.
السؤال الذي يبقى مطروحاً اليوم ليس فقط لماذا لم تُعَد وزارة الهجرة ومغاربة العالم، بل كيف ستضمن الحكومة الجديدة أن تحظى قضايا ملايين المغاربة المقيمين بالخارج بالمكانة المؤسساتية والسياسية التي تستحقها؟
فالحكومات تُقاس بمدى قدرتها على الاستجابة لانتظارات المواطنين، كما تُقاس بفعالية مؤسساتها ووضوح أولوياتها، وبالنسبة إلى مغاربة العالم، فإن الرهان الأساسي يظل في الانتقال من تدبير الملفات إلى بناء سياسة متكاملة ومستدامة، تجعل من الجالية شريكاً في التنمية الوطنية، وعنصراً فاعلاً في تعزيز حضور المغرب وعلاقاته الدولية.
وإلى أن تتضح معالم المقاربة الحكومية في هذا المجال، سيظل النقاش حول الوزارة المستقلة قائماً، باعتباره نقاشاً حول النموذج المؤسساتي الأنسب لخدمة مغاربة العالم، وليس مجرد نقاش حول المناصب والحقائب الوزارية.

تعليقات الزوار 0
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق على هذا المقال.