من يحمل صوت الجالية المغربية إلى دوائر القرار؟ وهل يكفي إسناد ملف مغاربة العالم إلى وزارة الخارجية لضمان الإنصات إلى انتظارات ملايين المغاربة المقيمين بالخارج؟
بقلم: رشيد بخوش
لم يعد سؤال مغاربة العالم في المغرب سؤالاً إدارياً عابراً، ولا ملفاً موسمياً يُستحضر عند العطل الصيفية أو خلال الخطابات الموجهة إلى أفراد الجالية، لقد أصبح سؤالاً سياسياً ومؤسساتياً يرتبط بمكانة ملايين المغاربة الذين يعيشون خارج الوطن، ويساهمون في اقتصاده، ويحملون هويته، ويدافعون عن مصالحه وصورته في بلدان الإقامة.
ومع تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، التي جرى تعيين أعضائها يوم 16 أكتوبر 2026، يتجدد النقاش حول موقع مغاربة العالم داخل الهندسة الحكومية، وحول مدى حضور قضاياهم في أولويات السلطة التنفيذية، وقد احتفظ ناصر بوريطة بحقيبة وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، وفق التشكيلة الحكومية المعلنة رسمياً.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح، بعيداً عن الأسماء والمناصب، هو: هل يحظى مغاربة العالم بتمثيلية سياسية ومؤسساتية تتناسب مع حجمهم وإسهامهم وانتظاراتهم، أم أن حضورهم ما زال محصوراً في قطاع حكومي تتقاطع فيه ملفات الدبلوماسية والعلاقات الدولية وشؤون الجالية؟ المصدر الرسمي.
من يمثل مغاربة العالم داخل الحكومة؟
إن إسناد ملف المغاربة المقيمين بالخارج إلى وزارة الشؤون الخارجية يمنح هذا الملف امتداداً دبلوماسياً مهماً، لكنه يطرح، في المقابل، سؤالاً مشروعاً حول مدى استقلالية الأولويات المرتبطة بالجالية، ومدى قدرتها على الوصول إلى أعلى مستويات التنسيق واتخاذ القرار الحكومي.
فمغاربة العالم ليسوا مجرد مواطنين يحتاجون إلى خدمات قنصلية أو وثائق إدارية، إنهم مواطنون لهم مصالح قانونية واجتماعية واقتصادية، ولهم ارتباطات عائلية ووطنية عميقة، ويواجهون في بلدان الإقامة تحديات تتعلق بالهجرة والعمل والسكن والتعليم والاندماج وحماية الحقوق.
وفي الحالة الهولندية، على سبيل المثال، تتداخل هذه القضايا مع قوانين الإقامة والعمل ولمّ الشمل، والإجراءات الإدارية، وتحديات الاندماج، وحاجة الأسر المغربية إلى خدمات قنصلية فعالة وواضحة، وهي ملفات لا يمكن اختزالها في التواصل الدبلوماسي، بل تتطلب تنسيقاً مستمراً بين القطاعات الحكومية المغربية والمؤسسات المعنية في بلدان الإقامة.
ومن هنا، فإن النقاش لا ينبغي أن ينحصر في المطالبة باسم جديد على رأس وزارة، بل يجب أن يتجه إلى جوهر المسألة: من يضمن أن تتحول انتظارات الجالية إلى قرارات حكومية ملموسة، ومن يحاسب المسؤولين عن تنفيذ الالتزامات المتعلقة بها؟
الجالية ليست تحويلات مالية فقط
من الأخطاء التي ينبغي تجاوزها التعامل مع مغاربة العالم بمنطق اقتصادي ضيق، يختزل علاقتهم بالوطن في تحويل الأموال، والاستثمار، والمساهمة في احتياطي العملة الصعبة.
صحيح أن تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج تشكل مورداً مهماً للاقتصاد الوطني، لكن القيمة الحقيقية للجالية تتجاوز الأرقام المالية، فهي رأسمال بشري وعلمي وثقافي، وشبكة من العلاقات المهنية والاقتصادية والدبلوماسية، وجسر للتواصل بين المغرب وأوروبا وبقية العالم.
وإذا كان المغرب يطمح إلى الاستفادة من كفاءات أبنائه في الخارج، فإن ذلك يستلزم توفير بيئة مؤسساتية تشجع الثقة والمشاركة، وتيسر الاستثمار، وتحمي الحقوق والممتلكات، وتمنح أفراد الجالية شعوراً بأن علاقتهم بالوطن تقوم على المواطنة المتبادلة، لا على استدعائهم عند الحاجة إلى مواردهم المالية فقط.
فالمغربي المقيم بالخارج ليس خزينة مفتوحة عند الحاجة، ولا رقماً في تقرير اقتصادي؛ إنه مواطن كامل الحقوق، ومن حقه أن يرى أثر انتمائه الوطني في السياسات العمومية.
التمثيلية السياسية.. الحلقة التي تستحق نقاشاً جدياً
إذا كان تعيين وزير مكلف بالمغاربة المقيمين بالخارج يحدد المسؤولية الحكومية عن هذا القطاع، فإن التمثيلية السياسية تطرح سؤالاً مختلفاً: كيف يستطيع المواطن المغربي المقيم خارج الوطن إيصال صوته إلى المؤسسات المنتخبة، والمساهمة في النقاش التشريعي المتعلق بقضاياه، ومتابعة أداء ممثليه ومساءلتهم؟
إن وجود قطاع حكومي مختص لا يعوض، من حيث المبدأ، النقاش حول المشاركة السياسية والتمثيل المؤسسي، فالإدارة تنفذ السياسات، والوزارة تنسق الملفات، لكن التمثيلية السياسية تمنح المواطنين إمكانية المشاركة في صياغة القرار ومناقشة أولويات الدولة.
ولهذا، فإن تجديد النقاش حول آليات مشاركة مغاربة العالم في الحياة السياسية الوطنية ليس امتيازاً لفئة من المواطنين، ولا مطلباً فئوياً ضيقاً، بل هو جزء من النقاش الأوسع حول المواطنة والمشاركة الديمقراطية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ولا يتعلق الأمر بإصدار أحكام مسبقة على الحكومة الجديدة، بل بمطالبتها بتقديم رؤية واضحة: ما موقع الجالية في برنامجها؟ ما الآليات التي ستعتمدها للاستماع إلى مطالبها؟ وكيف ستضمن أن تتحول هذه المطالب إلى سياسات قابلة للتقييم والمحاسبة؟
حكومة المنصوري أمام اختبار الثقة
إن الحكومة الجديدة، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، أمام فرصة لتحويل ملف مغاربة العالم من مجال للتدبير الإداري إلى ورش مؤسساتي متكامل، يقوم على التخطيط والتنسيق والنتائج القابلة للقياس.
ويمكن أن يبدأ ذلك بوضع برنامج حكومي واضح لشؤون الجالية، يتضمن أهدافاً محددة لتحسين الخدمات القنصلية، وتطوير قنوات التواصل والتظلم، وتيسير الإجراءات الإدارية، وتعزيز حماية الحقوق والمصالح المشروعة للمواطنين في الخارج، وتقوية التنسيق بين الوزارات المعنية.
كما يتطلب الأمر حواراً منتظماً مع الجمعيات والكفاءات والفعاليات المدنية في بلدان الإقامة، بعيداً عن الاقتصار على اللقاءات البروتوكولية أو المناسبات الرمزية. فالحوار الفعال لا يُقاس بعدد الاجتماعات، بل بمدى تأثير نتائجه في السياسات والقرارات.
ومن الضروري أيضاً نشر مؤشرات واضحة حول معالجة الشكاوى، وجودة الخدمات، وآجال الإجراءات، وتنفيذ البرامج المعلنة، بما يسمح للرأي العام ولأفراد الجالية بتقييم الأداء على أساس الوقائع لا الانطباعات.
المطلوب ليس وزارة إضافية فقط، بل إرادة سياسية واضحة
قد يرى البعض أن الحل يكمن في إنشاء وزارة مستقلة لشؤون مغاربة العالم، بينما يرى آخرون أن تطوير القطاع الحالي وتعزيز صلاحياته وموارده وآليات التنسيق كفيل بتحقيق نتائج أفضل.
والحقيقة أن النقاش حول البنية الحكومية مشروع، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى غاية في حد ذاته. فالوزارة المستقلة، إن لم تتوفر لها الصلاحيات والميزانية والموارد البشرية وآليات المساءلة، قد تبقى مجرد تغيير في الهيكل، وفي المقابل، يمكن لقطاع حكومي قائم أن يحقق نتائج مهمة إذا حظي بالدعم السياسي اللازم، وباختصاصات واضحة، وبقدرة فعلية على التنسيق بين المؤسسات.
لذلك، فإن المعيار الحقيقي ليس اسم الوزارة ولا هوية المسؤول عنها، بل ما إذا كان المواطن المغربي في الخارج يستطيع الحصول على خدمة أفضل، والدفاع عن حقه بفعالية، وإيصال صوته إلى المؤسسات، ورؤية التزاماته تجاه الوطن تقابلها سياسات عمومية تحترم حقوقه وانتظاراته.
الخلاصة: من تدبير ملف الجالية إلى الاعتراف الكامل بمكانتها
إن السؤال “من يمثل مغاربة العالم؟” لا يستهدف شخصاً بعينه، ولا ينتقص من مسؤولية وزير أو حكومة، إنه سؤال عن طبيعة العلاقة التي يريد المغرب بناءها مع مواطنيه في الخارج، وعن المكانة التي ينبغي أن يحتلوها في مشروعه التنموي والمؤسساتي.
لقد تطورت الجالية المغربية، وتنوعت كفاءاتها وتجاربها وأجيالها، وأصبحت قضاياها أكثر تعقيداً من أن تُعالج بمنطق إداري تقليدي، ومن ثم، فإن المرحلة الجديدة تحتاج إلى رؤية تتجاوز تدبير الملفات اليومية نحو ترسيخ المشاركة، وتعزيز الثقة، وتطوير الخدمات، وضمان حضور فعلي لقضايا الجالية في صناعة القرار.
فمغاربة العالم لا يطالبون بمجرد من يتحدث باسمهم، بل بمنظومة مؤسساتية تسمعهم، وسياسات تحمي مصالحهم، وقنوات تتيح لهم المشاركة، ومسؤولين يمكن مساءلتهم عن النتائج.
وتلك هي الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى حكومة المنصوري: إن قوة العلاقة بين المغرب ومواطنيه في الخارج لا تُقاس فقط بحجم التحويلات المالية أو بعدد المبادرات الدبلوماسية، بل أيضاً بمدى شعور هؤلاء المواطنين بأنهم شركاء في الوطن، وأن أصواتهم مسموعة، وأن حقوقهم ومصالحهم جزء أصيل من أولويات الدولة.
لأن مغاربة العالم ليسوا خارج المعادلة الوطنية؛ إنهم جزء منها، ومن حقهم أن يكون لهم فيها صوت مؤثر ومكانة واضحة.

تعليقات الزوار 0
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق على هذا المقال.