حين تتحول مواقع التواصل الاجتماعي من فضاء للتوعية والإصلاح إلى منصات لتأجيج الخلافات الزوجية، يصبح السؤال مشروعاً: أين تنتهي حرية التعبير، وأين تبدأ المسؤولية عن تفكيك الأسر والإضرار بمستقبل الأطفال؟

لم تعد أزمة الأسرة المغربية محصورة بين جدران البيوت، ولم تعد الخلافات الزوجية شأناً خاصاً ينتهي عند حدود العائلة أو محيطها الاجتماعي، ففي زمن المنصات الرقمية، أصبحت الحياة الزوجية مادة يومية للنقاش والاستقطاب، وتحولت بعض الصفحات والحسابات إلى فضاءات تُقدَّم فيها النصائح الأسرية بجرأة مفرطة، وتُختزل فيها سنوات من العشرة والمسؤولية في عبارات عاطفية سريعة، قد تدفع البعض إلى اتخاذ قرارات مصيرية دون تروٍّ أو إدراك كامل للعواقب.

إن الطلاق، حين يصبح نتيجة أخيرة لعلاقة استنفدت فرص الإصلاح، قد يكون مخرجاً ضرورياً، خصوصاً في حالات العنف أو الإيذاء أو استحالة استمرار الحياة المشتركة، لكن الخطر الحقيقي يكمن في تحويل الانفصال إلى وصفة جاهزة، وتقديمه باعتباره الحل الأول لكل خلاف، بدل تشجيع الحوار والتفاهم والوساطة وتحمل المسؤولية.

وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يشغل المجتمع المغربي ومؤسساته: هل نواجه أزمة في استقرار الأسرة فقط، أم أننا أمام أزمة أعمق في الخطاب الاجتماعي الذي يؤثر في قرارات الأزواج ويعيد تشكيل نظرتهم إلى الزواج والالتزام والمسؤولية؟

أولاً: الأسرة المغربية بين ضغوط الواقع وإغراءات العالم الافتراضي

تعيش الأسرة المغربية تحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية متسارعة. فالضغوط المعيشية، وصعوبات السكن، والبطالة، والخلافات حول تربية الأبناء، وضعف التواصل بين الزوجين، كلها عوامل قد تزيد من هشاشة العلاقة الزوجية.

وتزداد هذه التحديات تعقيداً لدى فئات من المغاربة المقيمين بالخارج، حيث تتداخل ضغوط العمل والإقامة والاندماج مع اختلاف البيئات الاجتماعية والقانونية، وقد تضاف إليها مشكلات البعد عن الأسرة الممتدة وصعوبة الحصول على الدعم المناسب.

بالنسبة إلى بعض الأسر المغربية في أوروبا، ولا سيما في هولندا، قد تتداخل الخلافات الزوجية مع إجراءات الانفصال، وترتيبات رعاية الأطفال، والسكن، والالتزامات المالية، وما يترتب على ذلك من تحديات عملية وقانونية، وفي مثل هذه الظروف، قد تكون النصيحة المتسرعة أو غير المسؤولة على الإنترنت سبباً في زيادة التوتر بدلاً من المساعدة على احتوائه.

لكن من الضروري ألا نحمّل مواقع التواصل وحدها مسؤولية الطلاق؛ فهي قد تضخم الخلافات أو تؤثر في طريقة التعامل معها، لكنها ليست السبب الوحيد، ولا يجوز أن تحجب عنا الأسباب الحقيقية التي تستوجب المعالجة.

ثانياً: هل أصبحت بعض المنصات الرقمية شريكاً في تأجيج الخلافات الزوجية؟

المشكلة ليست في الحديث عن الطلاق، ولا في حق المرأة أو الرجل في طلب المشورة أو الدفاع عن حقوقه. المشكلة تبدأ عندما يتجاوز الخطاب حدود التوعية إلى التحريض غير المسؤول، وعندما تُقدَّم تجارب شخصية محدودة باعتبارها أحكاماً عامة على جميع الأزواج، أو يُدفع أحد الطرفين إلى الانتقام والتشهير وقطع جسور التواصل دون مراعاة لمصلحة الأبناء.

هناك فرق جوهري بين محتوى يشرح الحقوق القانونية للزوجة والزوج، ويكشف أشكال العنف والإساءة، ويقدم حلولاً واقعية للنزاعات؛ وبين محتوى يستثمر الغضب والانفعال، ويحوّل كل خلاف إلى معركة كرامة، وكل تنازل معقول إلى هزيمة، وكل محاولة للإصلاح إلى علامة ضعف.

إن الخطاب الذي يحرّض على الانفصال دون فهم ظروف الأسرة لا يتحمل بالضرورة مسؤولية قانونية عن كل طلاق يقع بعده، لكنه يتحمل مسؤولية أخلاقية ومهنية متى كان يضلل المتابعين أو يستغل معاناتهم أو يدفعهم إلى سلوكيات مؤذية.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس إسكات الأصوات التي تناقش مشاكل الزواج، بل وضع حد للفوضى التي تختبئ خلف شعار حرية التعبير، خصوصاً عندما تتحول إلى تشهير أو تهديد أو نشر معطيات خاصة أو مضايقة ممنهجة.

فالحرية الرقمية لا تعني إعفاء صاحب المحتوى من المسؤولية، كما أن حماية الأسرة لا تعني إجبار أي إنسان على البقاء في علاقة مؤذية.

ثالثاً: أبناء الطلاق.. الضحية التي لا تملك حق التصويت

حين يتخذ الزوجان قرار الانفصال، فإنهما يملكان حق اللجوء إلى المساطر القانونية، لكن الأطفال غالباً ما يجدون أنفسهم في قلب معركة لم يختاروها.

قد تتأثر نفسيتهم واستقرارهم الدراسي والاجتماعي، وقد يتحولون إلى وسيلة للضغط المتبادل أو إلى شهود على حملات التشهير بين الوالدين. وقد تستمر آثار النزاع سنوات بعد انتهاء العلاقة الزوجية، خصوصاً عندما يغيب الحوار ويحل الانتقام محل المسؤولية المشتركة.

ولذلك، لا ينبغي قياس نجاح أي سياسة أسرية بعدد الزيجات التي استمرت فقط، بل بقدرتها على الحد من العنف والنزاعات المدمرة، وضمان حقوق الأطفال، وصون كرامة الوالدين، والحفاظ على إمكانية التعاون بينهما بعد الانفصال عند تعذر استمرار الزواج.

فالأسرة ليست مجرد عقد قانوني، بل شبكة من المسؤوليات الإنسانية والاجتماعية، وأي مقاربة جادة يجب أن تضع مصلحة الطفل في صلبها، سواء استمرت العلاقة الزوجية أو انتهت.

رابعاً: هل يمكن سن قوانين ضد المحرّضين على الطلاق في مواقع التواصل؟

هذا سؤال مشروع، لكنه يحتاج إلى تمييز قانوني دقيق.

من حيث المبدأ، لا ينبغي تجريم مجرد الدعوة إلى الطلاق أو مناقشة أسبابه أو تقديم المشورة بشأنه. فالزواج علاقة تحكمها الحقوق والواجبات، ولكل طرف حق في معرفة الخيارات القانونية المتاحة له، بما في ذلك الانفصال عند توافر أسبابه وشروطه.

أما إذا انتقل المحتوى إلى التهديد أو التشهير أو انتهاك الحياة الخاصة أو التحريض على العنف أو المضايقة المستهدفة، فإن الأمر يصبح مختلفاً، وقد تترتب عليه مسؤولية قانونية وفق طبيعة الفعل والأدلة والقانون الواجب التطبيق.

وفي المغرب، توجد بالفعل مقتضيات قانونية ذات صلة بحماية الحياة الخاصة ومكافحة بعض صور العنف والإساءة. كما يتيح الإطار القانوني المتعلق بالأسرة مساطر للصلح ومحاولة الإصلاح قبل إتمام الطلاق في الحالات التي ينظمها القانون. ويمكن الرجوع إلى المصادر الرسمية لوزارة العدل ووزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة للاطلاع على التفاصيل.

وعليه، فإن المطلوب ليس قانوناً يعاقب كل من يعبّر عن رأيه بشأن الطلاق، بل إطار قانوني أكثر وضوحاً وفعالية يميز بين حرية النقاش والتحريض الضار، وبين التوعية المشروعة والتشهير أو الإيذاء الرقمي.

ويمكن أن يشمل النقاش التشريعي والمؤسساتي المقترحات التالية:

1. تشديد الحماية من التشهير الأسري الرقمي: عبر تفعيل المقتضيات القانونية القائمة ضد نشر الصور أو التسجيلات أو الرسائل الخاصة دون سند مشروع، وضد التهديد والابتزاز والإساءة التي تستهدف الحياة الأسرية.

2. وضع ضوابط مهنية للمحتوى الاستشاري: تشجيع الصفحات التي تتناول الطلاق والنزاعات الزوجية على التمييز بين التجربة الشخصية والاستشارة القانونية أو النفسية المتخصصة، مع التصدي للمعلومات المضللة التي قد تلحق ضرراً ملموساً بالأفراد.

3. تسهيل التبليغ عن الانتهاكات الرقمية: من خلال مساطر واضحة تتيح للمتضررين توثيق المحتوى المسيء والإبلاغ عنه وطلب الحماية أو الإنصاف عبر القنوات القانونية المختصة.

4. تطوير برامج الوساطة الأسرية: وتوسيع الوصول إلى خدمات الاستشارة الاجتماعية والنفسية والقانونية قبل الانفصال، مع ضمان السرية والاستقلالية، وعدم فرض المصالحة على ضحايا العنف أو إجبارهم على الاستمرار في علاقات خطرة.

5. مراعاة أوضاع مغاربة العالم: عبر تعزيز الإرشاد القانوني متعدد اللغات، وتوفير معلومات دقيقة حول الإجراءات الأسرية العابرة للحدود، والتنسيق المؤسساتي الذي يساعد الأسر على فهم حقوقها والتزاماتها في بلد الإقامة وفي المغرب.

إن أي تشريع جديد ينبغي أن يكون محدداً وواضحاً ومتناسباً، وألا يتحول إلى أداة لتكميم الأفواه أو منع النقاش المشروع حول حقوق المرأة والرجل. فالهدف هو محاسبة السلوك الضار المثبت، لا معاقبة الآراء لمجرد أنها لا تتفق مع تصور معين للأسرة.

خامساً: مغاربة العالم.. حين تعبر الخلافات الزوجية الحدود

تستحق أوضاع الأسر المغربية المقيمة بالخارج اهتماماً مؤسساتياً خاصاً، لا من باب التخويف من الطلاق، بل من باب فهم تعقيدات الواقع الذي تعيشه هذه الأسر.

فالانفصال في بلد الإقامة قد يطرح أسئلة تتعلق بالحضانة، والنفقة، والسكن، وتنظيم التواصل مع الأطفال، والاعتراف بالأحكام القضائية، فضلاً عن مسائل قد تتصل بوضعية الإقامة بحسب الحالة الفردية والقانون المعمول به.

ومن الخطأ تقديم أجوبة عامة لهذه القضايا عبر مقاطع قصيرة أو منشورات انفعالية؛ فالقانون يختلف من بلد إلى آخر، والوقائع الفردية قد تغير النتيجة القانونية بصورة جوهرية.

لذلك، تقع على عاتق المؤسسات المغربية المعنية بالجالية مسؤولية تعزيز التوعية القانونية الوقائية، وتسهيل الوصول إلى المختصين، ودعم برامج الإرشاد الأسري، والعمل مع الجمعيات الجادة التي تعرف خصوصيات المجتمع المغربي في بلدان الاستقبال.

كما أن مسؤولية الفاعلين الجمعويين والإعلاميين تقتضي ألا تتحول معاناة الأسر إلى مادة للاستقطاب أو تصفية الحسابات، بل إلى فرصة لتقديم معلومات دقيقة وحلول عملية.

سادساً: ما الحل؟ حماية الأسرة لا تكون بالشعارات وحدها

إن مواجهة التفكك الأسري لا تبدأ بإلقاء اللوم على النساء أو الرجال، ولا باتهام كل من يتحدث عن الطلاق بأنه يسعى إلى هدم الأسرة. إنها تبدأ بالاعتراف بأن الاستقرار الزوجي يحتاج إلى شروط واقعية، وأن الحقوق لا تتعارض مع المسؤولية، وأن الإصلاح لا يتحقق بالضغط أو الإكراه.

وإذا كانت الدولة معنية بحماية الأسرة باعتبارها مكوناً أساسياً للمجتمع، فإن مسؤوليتها تتمثل في دعم الوقاية من النزاعات، وتيسير الوساطة، وتطوير الخدمات الاجتماعية والنفسية، وضمان عدالة المساطر، وحماية الأطفال، والتصدي للعنف والإساءة، سواء صدرت داخل المنزل أو عبر المنصات الرقمية.

كما ينبغي تعزيز التربية على التواصل وإدارة الخلافات، وإدماج الوعي بالمسؤوليات الزوجية والأبوية في برامج التوعية، وتقديم محتوى رقمي رصين يشرح كيفية طلب المساعدة قبل أن تتحول الخلافات إلى أزمات مستعصية.

ولا بد من التأكيد على أن الصلح ليس انتصاراً لطرف على آخر، وأن الانفصال ليس في جميع الحالات فشلاً أخلاقياً. المعيار الحقيقي هو احترام الحقوق والكرامة، والقدرة على اتخاذ قرارات مسؤولة بعيداً عن العنف والتضليل والانتقام.

خاتمة: نحتاج إلى قانون يحمي الأسرة.. لا إلى قانون يعاقب حرية الرأي

إن الحديث عن الطلاق في المجتمع المغربي يجب ألا يتحول إلى محاكمة جماعية للمطلقات أو المطلقين، ولا إلى صراع بين من يدافع عن استمرار الزواج ومن يدافع عن حق الانفصال. المطلوب هو بناء ثقافة أسرية متوازنة، تحمي الزواج حين يكون قابلاً للإصلاح، وتحمي الإنسان حين يصبح استمرار العلاقة مصدراً للأذى.

أما مواقع التواصل الاجتماعي، فقد أصبحت جزءاً من المجال العام، ومن حق المجتمع أن يطالب أصحاب الصفحات والمؤثرين بتحمل مسؤولية ما ينشرونه، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقرارات تمس حياة الأزواج والأطفال ومستقبل الأسر.

لكن العدالة لا تقوم على تجريم النوايا، ولا يمكن إثبات أن شخصاً تسبب في طلاق لمجرد أنه نشر رأياً أو تجربة. المسؤولية القانونية تحتاج إلى فعل محدد وأدلة وشروط ينص عليها القانون.

ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست ضد كل من يتحدث عن الطلاق، بل ضد العنف والتشهير والتضليل والاستغلال، وضد كل خطاب يختزل حياة الناس في أحكام جاهزة، ويستثمر أوجاعهم لتحقيق المشاهدات أو المكاسب الشخصية.

إن الأسرة المغربية لا تحتاج إلى خطاب يزرع الخوف، بل إلى سياسة عمومية تحمي الحقوق، وثقافة اجتماعية تشجع الحوار، وإعلام مسؤول يضع مصلحة الإنسان والطفل فوق منطق الإثارة.

فهل آن الأوان لإطلاق نقاش وطني مسؤول حول أخلاقيات المحتوى الأسري على مواقع التواصل الاجتماعي، وتطوير الوساطة الأسرية، وتعزيز الحماية القانونية من الإيذاء الرقمي، بما يصون كرامة الأفراد ويحمي استقرار الأسر داخل المغرب وخارجه؟

إنها قضية مجتمع بأكمله، وليست معركة ضد فئة بعينها. فحماية الأسرة مسؤولية مشتركة، وأساسها العدل والوعي والمسؤولية، لا الإكراه ولا التشهير ولا مصادرة الحقوق.

بقلم: MREmedia | قضايا الجالية المغربية وشؤون الأسرة والهجرة والاندماج