تغيير في قمة الحكومة المغربية يفتح باب التساؤلات حول مستقبل الإصلاحات، وحدود التغيير السياسي، وقدرة القيادة النسائية على تحويل الوعود إلى نتائج ملموسة.
لم يعد السؤال في المغرب مقتصراً على من يقود الحكومة، بل أصبح مرتبطاً بما يمكن أن يتغير في حياة المواطنين، وبمدى قدرة التجارب الحكومية المتعاقبة على الاستجابة لانتظارات مجتمع يطالب بفرص الشغل، وتحسين القدرة الشرائية، والارتقاء بالتعليم والصحة، وتعزيز العدالة الاجتماعية.
فبعد تجربة عبد الإله بنكيران، التي ارتبطت بخطاب سياسي مباشر وحضور حزبي قوي، ثم تجربة عزيز أخنوش، التي رفعت رهانات الاستثمار والتنمية الاقتصادية وتنزيل عدد من الأوراش الاجتماعية، يجد المغرب نفسه أمام محطة سياسية جديدة مع تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المملكة.
إنها لحظة تحمل دلالات رمزية ومؤسساتية، لكنها تطرح في الوقت ذاته سؤالاً جوهرياً: هل سيكون وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة مدخلاً لتغيير أسلوب تدبير الشأن العام، أم أن الاختبار الحقيقي سيظل مرتبطاً بقدرة الحكومة على تحقيق نتائج ملموسة؟
بنكيران… السياسة بخطاب مباشر وحضور جماهيري
ارتبطت تجربة عبد الإله بنكيران، الذي قاد الحكومة بين عامي 2011 و2017، بأسلوب سياسي تميز بالتواصل المباشر واللغة القريبة من المواطنين، في مرحلة أعقبت دستور 2011 وما رافقه من نقاش واسع حول الإصلاح السياسي ودور المؤسسات المنتخبة.
وقد شكلت تجربته إحدى المحطات البارزة في تطور المشهد الحزبي المغربي، بما حملته من رهانات الإصلاح وتحديات التوازن بين الاختيارات السياسية والإكراهات الاقتصادية والاجتماعية.
لكن التجربة السياسية لا تقاس فقط بقوة الخطاب أو حجم التفاعل الشعبي معه، بل كذلك بالقرارات المتخذة، وآثارها على المجتمع، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح وانتظارات المواطنين.
أخنوش… رهان الاستثمار والأوراش الكبرى تحت مجهر النتائج
أما تجربة عزيز أخنوش، الذي تولى رئاسة الحكومة ابتداءً من سنة 2021، فقد ارتبطت برهانات الاستثمار، وتشجيع المبادرة الاقتصادية، ومواصلة المشاريع الكبرى، إلى جانب تنزيل برامج اجتماعية في سياق اتسم بتحديات اقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.
ومع انتهاء ولايته في شتنبر 2026، يظل تقييم حصيلة هذه التجربة مرتبطاً بمؤشرات موضوعية، من قبيل إحداث فرص الشغل، وتطور الدخل والقدرة الشرائية، وجودة الخدمات العمومية، ومدى استفادة مختلف الفئات الاجتماعية والمجالات الترابية من ثمار التنمية.
فالاستثمار، مهما بلغت أهميته، لا يكتمل أثره إلا عندما يتحول إلى فرص اقتصادية واجتماعية يشعر بها المواطن في حياته اليومية، وهو ما يجعل النتائج الميدانية معياراً أساسياً للحكم على السياسات الحكومية.
فاطمة الزهراء المنصوري… ماذا يمكن أن تغيّر المرأة في رئاسة الحكومة؟
يمثل تعيين فاطمة الزهراء المنصوري منعطفاً تاريخياً في التمثيل السياسي للمرأة المغربية، غير أن أهمية هذا التحول لا ينبغي أن تتوقف عند البعد الرمزي، بل يجب أن تمتد إلى طبيعة السياسات التي ستعتمدها الحكومة، ومدى قدرتها على إحداث تغيير فعلي في الأولويات وآليات التنفيذ.
فالمرأة التي تصل إلى أعلى منصب تنفيذي في الحكومة لا تدخل السياسة من موقع منفصل عن المؤسسات والإكراهات القائمة، وإنما تتحمل مسؤولية تدبيرها وفق الدستور والبرنامج الحكومي والتحالفات السياسية والموارد المتاحة.
ومن هنا، فإن نجاح المنصوري لن يرتبط بكونها امرأة فحسب، بل بقدرتها على بناء فريق حكومي منسجم، وتحديد أولويات واضحة، وتعزيز التنسيق بين القطاعات، وتحويل الالتزامات السياسية إلى برامج قابلة للتنفيذ والتقييم.
وقد تتيح هذه المرحلة فرصة لإعطاء دفعة جديدة لعدد من الملفات، وفي مقدمتها تمكين النساء اقتصادياً، وتحسين الولوج إلى الخدمات الصحية والتعليمية، وتوسيع فرص الشغل أمام الشباب، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتطوير السياسات الموجهة إلى الفئات الهشة.
كما تبرز أهمية إصلاحات الأسرة والمساواة في الحقوق والفرص باعتبارها ملفات ذات امتدادات اجتماعية وقانونية واسعة، تتطلب حواراً مؤسساتياً مسؤولاً وتوافقات مجتمعية واضحة.
لكن لا يمكن افتراض أن القيادة النسائية ستؤدي تلقائياً إلى تغيير السياسات أو تحقيق نتائج أفضل؛ فذلك يتوقف على القرارات الفعلية، والقدرة على التنفيذ، ومدى توفر الإرادة السياسية والموارد اللازمة.
بين استمرارية الدولة وتجديد الأداء الحكومي
في النظام السياسي المغربي، لا تتحدد ملامح المرحلة الجديدة بهوية رئيس الحكومة وحدها، بل أيضاً بالاختصاصات الدستورية، والتوجيهات الملكية، وبرنامج الأغلبية، والتوازنات البرلمانية، وطبيعة الملفات الاستراتيجية التي تتطلب استمرارية في التنفيذ.
ومن هذا المنطلق، فإن الانتقال من بنكيران إلى أخنوش، ثم إلى فاطمة الزهراء المنصوري، يتيح قراءة تطور التجربة الحكومية من زوايا متعددة: الخطاب السياسي، والاختيارات الاقتصادية، والبرامج الاجتماعية، والعلاقة بين المؤسسات، ومدى الاستجابة للمطالب الشعبية.
ولا يكمن التحدي في القطيعة مع كل ما سبق، كما لا يكمن في مواصلة السياسات السابقة دون مراجعة، وإنما في تحديد ما ينبغي الحفاظ عليه، وما يحتاج إلى تصحيح، وما يتطلب إصلاحاً جديداً يتناسب مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية.
إن الاستمرارية المؤسساتية تكتسب قيمتها عندما تقترن بالتعلم من التجارب السابقة، ومراجعة الاختلالات، وتحسين الأداء، وربط المسؤولية بالنتائج.
ماذا عن الدبلوماسية المغربية والجالية بالخارج؟
على المستوى الدبلوماسي، تواجه الحكومة الجديدة مسؤولية مواصلة دعم المصالح الاستراتيجية للمملكة، وتعزيز الشراكات الدولية، ومواكبة التحولات الإقليمية والدولية، مع الحفاظ على الانسجام بين العمل الحكومي والاختيارات الاستراتيجية للدولة.
أما بالنسبة إلى مغاربة العالم، فإن الرهان يتجاوز الخطاب الموجه إليهم في المناسبات الوطنية، ليشمل تطوير الخدمات القنصلية، وتبسيط المساطر الإدارية، وحماية الحقوق والمصالح في بلدان الإقامة، وتشجيع الاستثمار، وتسهيل نقل الخبرات، وتعزيز المشاركة في التنمية الوطنية.
وتشكل هذه الملفات اختباراً عملياً لمدى قدرة الحكومة على تحويل العلاقة مع الجالية المغربية إلى سياسة عمومية متكاملة، تستجيب لاحتياجات المغاربة المقيمين بالخارج، وتحافظ على ارتباطهم بوطنهم الأم.
كما أن نجاح هذه المقاربة يقتضي تنسيقاً فعالاً بين القطاعات الحكومية والمؤسسات المعنية، إلى جانب الاستماع المنتظم إلى ممثلي الجالية ومكوناتها المختلفة.
التحدي الأكبر… من الوعود السياسية إلى النتائج الملموسة
أمام الحكومة الجديدة مجموعة من الاختبارات التي ستحدد طبيعة المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها التشغيل، والقدرة الشرائية، وجودة التعليم والصحة، والعدالة المجالية، وفعالية الإدارة، ومحاربة الفساد، وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات.
وستكون طريقة تدبير هذه الملفات، ومدى وضوح الأهداف والآجال ومؤشرات التقييم، أكثر دلالة من أي خطاب سياسي أو رمزية مرتبطة بتغيير القيادة.
فالمواطن لا ينتظر فقط تغيير الأسماء، بل يريد أن يلمس أثر السياسات في حياته اليومية، وأن يجد إدارة أكثر فعالية، وخدمات أفضل، وفرصاً أوسع، وعدالة أكبر في توزيع ثمار التنمية.
وهنا تحديداً ستواجه فاطمة الزهراء المنصوري الاختبار الأهم: هل تستطيع أن تجعل من سابقة وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة نقطة انطلاق لتجديد الأداء الحكومي، أم ستظل هذه السابقة إنجازاً رمزياً لا يوازيه تحول ملموس في النتائج؟
الخلاصة: هل تتغير الوجوه أم تتجدد السياسات؟
بين تجربة بنكيران بما ارتبط بها من خطاب سياسي مباشر، وتجربة أخنوش بما حملته من رهانات اقتصادية واجتماعية، والمرحلة الجديدة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، يقف المغرب أمام فرصة لإعادة تقييم مسار العمل الحكومي، والبناء على المكتسبات، وتصحيح الاختلالات، والاستجابة بصورة أكثر فعالية لتطلعات المواطنين.
إن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة حدث تاريخي، لكنه ليس في حد ذاته ضمانة للتغيير، فالتحول الحقيقي يُقاس بمدى قدرة المؤسسات على تحسين حياة المواطنين، وتوسيع فرص المشاركة، وتعزيز الإنصاف، وتحقيق التنمية المستدامة.
والسؤال الذي ستجيب عنه السنوات المقبلة ليس فقط ماذا ستغير المرأة في الحكومة المغربية، بل ماذا ستغير الحكومة بقيادتها في حياة المغاربة؟
ذلك هو المعيار الذي ستُقاس به المرحلة الجديدة، بعيداً عن الأحكام المسبقة، وبالاستناد إلى الوقائع والقرارات والنتائج.
إعداد: MREmedia | قراءة سياسية في تحولات المشهد الحكومي المغربي

تعليقات الزوار 0
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق على هذا المقال.