هولندا | رشيد بخوش
قراءة سياسية ودبلوماسية في زيارة العاهل الإسباني إلى سبتة، وحدود الرسائل الرمزية في ملف تتداخل فيه السيادة والتاريخ ومصالح الجوار.
لم تكن زيارة العاهل الإسباني فيليبي السادس والملكة ليتيسيا إلى مدينة سبتة يوم 13 أكتوبر 2026، ثم إلى مليلية في اليوم الموالي، مجرد محطة بروتوكولية عادية في أجندة المؤسسة الملكية الإسبانية، فقد جاءت في سياق حساس، تتقاطع فيه اعتبارات السيادة والأمن والهجرة، مع تعقيدات العلاقة بين مدريد والرباط، لتعيد إلى الواجهة أحد الملفات التاريخية الأكثر حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية، وقد أكدت التغطيات الصحفية أن الزيارة حملت رسالة واضحة بشأن تمسك إسبانيا بموقفها من المدينتين.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: لماذا زار الملك سبتة؟ بل أيضاً: هل كانت الزيارة إعلاناً عن قوة الموقف الإسباني، أم محاولة لتثبيت واقع سياسي تخشى مدريد أن يصبح موضوع نقاش أوسع في المستقبل؟
زيارة ملكية برسائل تتجاوز البروتوكول
في العلاقات الدولية، لا تُقرأ الزيارات الملكية والرسمية من خلال جدول الأعمال وحده، بل من خلال توقيتها، والظروف المحيطة بها، والرسائل التي تحملها إلى الداخل والخارج.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم زيارة فيليبي السادس باعتبارها تأكيداً على الحضور المؤسسي الإسباني في سبتة ومليلية، وإشارة إلى سكان المدينتين وإلى القوى السياسية الإسبانية بأن الدولة تعتبرهما جزءاً من تصورها لأمنها ووحدتها الترابية.
وقد سبق الزيارةَ تحركٌ إسباني لتعزيز إدماج المدينتين في المنظومة الأوروبية، وهو ما أعلنته وزارة الخارجية الإسبانية في سبتمبر 2026، ضمن إجراءات تشمل تعزيز حضورهما في المؤسسات الأوروبية والتعاون الأمني والجمركي، وهذا السياق يجعل الزيارة جزءاً من سياسة أوسع لتكريس الارتباط المؤسسي والاقتصادي بين المدينتين وإسبانيا والاتحاد الأوروبي.
غير أن تأكيد موقف سياسي لا يعني بالضرورة أن هذا الموقف أصبح محصناً من التحولات المستقبلية، كما أن الحضور الرمزي للدولة لا يُعد، في حد ذاته، دليلاً على وجود مفاوضات سرية أو قرب تغيير الوضع القائم.
المغرب وسبتة… ملف تاريخي لا تختزله الزيارات
بالنسبة إلى المغرب، لا يتعلق ملف سبتة ومليلية بمجرد خلاف حدودي عابر، بل يرتبط بذاكرة تاريخية وموقف سيادي ظل حاضراً في النقاش السياسي الوطني.
وفي المقابل، تتمسك إسبانيا بموقفها القائم على اعتبار المدينتين جزءاً من أراضيها، وهو ما أكده المسؤولون الإسبان في تصريحات رسمية خلال الأشهر الماضية.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين موقفَي البلدين وبين ما يمكن أن يطرأ على العلاقات الثنائية من تطورات، فالتعاون الاقتصادي والأمني، مهما بلغت أهميته، لا يعني بالضرورة أن الملفات السيادية المختلف بشأنها قد سُويت، مثلما أن استمرار الخلاف حولها لا يحول دون بناء علاقات جوار تقوم على المصالح المشتركة والحوار.
إن قوة الموقف المغربي لا تُقاس بحدة الخطاب وحدها، بل بقدرته على بناء رؤية استراتيجية طويلة الأمد، تستند إلى الدبلوماسية الفعالة، والحضور الدولي، والتنمية الاقتصادية، وتوظيف المصالح المشتركة في الدفاع عن الأولويات الوطنية.
هل تخشى مدريد على مستقبل سبتة؟
من السهل سياسياً تفسير الزيارة باعتبارها علامة على القلق الإسباني، لكن القراءة الدقيقة تقتضي الحذر من تحويل الانطباعات إلى حقائق.
فالمؤشرات المعلنة تعكس رغبة مدريد في تأكيد ارتباط المدينتين بإسبانيا وأوروبا، لا وجود قرار بالتخلي عنهما أو إقرار بقرب تغير وضعهما. كما أن الحكومة الإسبانية أعلنت صراحة تمسكها بسيادتها عليهما، وأكدت عزمها تعزيز اندماجهما الأوروبي.
ومع ذلك، فإن تكرار التأكيدات السياسية يكشف عن الأهمية الاستراتيجية التي تمنحها مدريد للمدينتين، خصوصاً في ظل التحديات الأمنية والهجرية والجدل الداخلي حول إدارة الحدود.
أما القول إن الزيارة تمثل “الوداع الأخير لسبتة المغربية، فيظل فرضية سياسية لا تسندها، في الوقت الراهن، معطيات معلنة كافية، فالتاريخ لا يتغير بمجرد زيارة ملكية، والسيادة لا تنتقل بفعل الرمزية وحدها، بل عبر تحولات سياسية وقانونية ودبلوماسية عميقة.
العلاقات المغربية الإسبانية… شراكة لا تلغي الخلاف
تدرك الرباط ومدريد أن الجغرافيا تفرض عليهما قدراً كبيراً من التعاون، فملفات الهجرة والأمن والتجارة ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر تجعل الاستقرار بين البلدين مصلحة مشتركة، لا مجرد خيار دبلوماسي.
وقد أكدت نتائج الاجتماع المغربي الإسباني رفيع المستوى في ديسمبر 2025 استمرار الحوار السياسي والعمل وفق خارطة طريق مشتركة، بما يشمل التعاون في مجالات الهجرة والأمن والتبادل الاقتصادي.
لكن الشراكة الواقعية لا تستوجب التنازل عن المواقف الوطنية، ولا تعني دفن الملفات التاريخية تحت ضغط المصالح الآنية، بل إن الدبلوماسية الناضجة هي التي تسمح بإدارة الخلاف دون تحويله إلى مواجهة دائمة، وتفتح المجال أمام حلول سياسية قابلة للنقاش، متى توفرت الظروف والإرادة لدى الأطراف المعنية.
ومن هذا المنظور، فإن التحدي أمام الدبلوماسية المغربية لا يكمن في الرد على كل زيارة أو تصريح بإجراء مماثل، بل في المحافظة على وضوح الموقف، وتجنب التصعيد غير المحسوب، والاستمرار في بناء أوراق القوة التي تمنح السياسة الخارجية هامشاً أوسع للحركة.
هل يمكن أن يتغير الوضع في المستقبل؟
لا يمكن استبعاد التحولات التاريخية من حيث المبدأ، لكن لا يمكن أيضاً التنبؤ بحدوثها من دون مؤشرات ملموسة.
فأي تغيير جوهري في وضع سبتة سيحتاج إلى مسار سياسي ودبلوماسي معقد، يأخذ في الاعتبار مواقف البلدين، والاعتبارات القانونية، والسياق الأوروبي والدولي، وتوازن المصالح في المنطقة.
وفي هذا الإطار، ينبغي ألا يتحول الأمل الوطني إلى توقع سياسي غير مؤسس، كما لا ينبغي أن يتحول الموقف الإسباني المعلن إلى حكم نهائي على المستقبل، فالعلاقات الدولية لا تُدار بالشعارات وحدها، وإنما بتراكم الوقائع والتحولات والمفاوضات.
والأهم أن يظل النقاش حول سبتة ومليلية نقاشاً مسؤولاً، يوازن بين استحضار التاريخ وفهم الحاضر، وبين التمسك بالمواقف الوطنية وتقدير تعقيدات السياسة الدولية.
الخلاصة: الزيارة تؤكد موقف مدريد، لكنها لا تكتب نهاية التاريخ
إن زيارة فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية تمثل، في قراءتها الأقرب إلى الوقائع المعلنة، رسالة إسبانية واضحة لتأكيد الارتباط السياسي والمؤسسي بالمدينتين، وليست دليلاً على قرب التخلي عنهما.
لكنها، في الوقت نفسه، تعيد التذكير بأن هذا الملف يظل حاضراً في العلاقات المغربية الإسبانية، وأن إدارة الخلاف تحتاج إلى نفس دبلوماسي طويل، ورؤية استراتيجية تتجاوز ردود الفعل الآنية.
فهل ستكون سبتة يوماً موضوع تسوية سياسية جديدة بين الرباط ومدريد، أم سيظل الوضع القائم محكوماً بحسابات القوة والمصالح؟
لا توجد اليوم معطيات كافية لحسم هذا السؤال، لكن المؤكد أن مستقبل الملفات التاريخية لا تحدده الزيارات وحدها، بل ما تنتجه السنوات من تحولات، وما تستطيع الدبلوماسية أن تبنيه من مسارات واقعية.
في السياسة، قد تكون الزيارة رسالة إلى الحاضر، أما المستقبل فلا تكتبه الرموز وحدها، بل تصنعه الوقائع والإرادات والقدرةعلى تحويل المطالب إلى مسارات دبلوماسية قابلة للتحقق.

تعليقات الزوار 0
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق على هذا المقال.