بقلم: MREmedia
حين يتحول تعيين مدير مؤسسة ثقافية إلى قضية رأي عام، فإن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند اسم الشخص، بل يجب أن يمتد إلى شفافية القرار، واحترام المساطر القانونية، وحدود المسؤولية داخل الإدارة العمومية.
أثار ملف تعيين عبد اللطيف نحيلة على رأس المركز الثقافي الجديد بمدينة سيدي قاسم نقاشاً تجاوز حدود التعيين الإداري، ليطرح أسئلة أعمق حول طريقة تدبير المؤسسات الثقافية، ومدى وضوح الاختصاصات بين المصالح الجهوية والإدارة المركزية، والمعايير المعتمدة في إسناد المسؤوليات داخل قطاع الثقافة.
فالمسألة، في جوهرها، ليست مجرد تعيين مسؤول في مؤسسة ثقافية حديثة العهد، بل اختبار لمدى قدرة الإدارة العمومية على تدبير قراراتها وفق قواعد واضحة، بعيداً عن أي ارتباك مؤسساتي قد ينعكس سلباً على صورة المرفق العمومي وثقة المواطنين فيه.
بين قرار التعيين وحدود الاختصاص
بحسب المعطيات التي تداولتها وسائل إعلام مغربية، فإن الجدل ارتبط بمدى احترام المسطرة الإدارية المعتمدة في تعيين نحيلة، وبطبيعة الوثائق التي استند إليها القرار. فقد نُقلت عن مصدر مسؤول بقطاع الثقافة إفادات تفيد بأن الأمر يتعلق بإلحاق إداري لم يتضمن، وفق الرواية نفسها، تعييناً رسمياً على رأس المركز الثقافي.
في المقابل، قدم عبد اللطيف نحيلة توضيحاً بشأن وضعيته، مؤكداً أنه اجتاز مباريات التوظيف، ومشيراً إلى أنه لم يتوصل بقرار رسمي يقضي بإلغاء تعيينه، وفق ما نُشر عن تصريحه.
وأمام تضارب هذه المعطيات، تفرض المسؤولية السياسية والإدارية التمييز بين ما هو ثابت بوثيقة رسمية، وما هو تصريح صادر عن طرف من أطراف القضية. فلا يجوز إصدار أحكام مسبقة على الأشخاص، كما لا ينبغي أن تظل القرارات الإدارية الحاسمة رهينة التأويلات والتصريحات المتعارضة.
إن احترام القانون لا يتحقق بمجرد الاستناد إليه في البيانات والتوضيحات، بل يقتضي وضوح الإجراءات، وتحديد المسؤوليات، وإتاحة المعلومات الضرورية لفهم حقيقة ما جرى.
هل يتعلق الأمر بشخص أم بطريقة تدبير المؤسسات؟
من السهل اختزال القضية في اسم عبد اللطيف نحيلة، وتحويلها إلى مواجهة بين مؤيد ومعارض، غير أن هذا الاختزال لا يخدم لا المؤسسة الثقافية ولا المدينة ولا المصلحة العامة.
السؤال الأهم هو: كيف تُتخذ قرارات التعيين داخل المؤسسات الثقافية؟ وما حدود صلاحيات المسؤولين الجهويين؟ وما دور الإدارة المركزية في المصادقة على القرارات أو تصحيحها؟ ثم ما المعايير الموضوعية التي ينبغي اعتمادها عند إسناد مسؤولية تسيير مؤسسة ثقافية جديدة؟
هذه أسئلة مشروعة، ولا تحمل في ذاتها اتهاماً لأي طرف. بل إن الإجابة عنها بوضوح من شأنها أن تحمي الموظف والإدارة معاً، وأن تمنع تحول الإجراءات الإدارية إلى مصدر للجدل والالتباس.
فالمؤسسات العمومية لا تُدار بمنطق الانطباعات أو القرارات التي يصعب تفسيرها، وإنما وفق اختصاصات محددة ومساطر قابلة للتحقق والمساءلة.
المركز الثقافي ليس مجرد منصب إداري
تنتظر مدينة سيدي قاسم من مركزها الثقافي الجديد أن يكون فضاءً للإبداع، واحتضان المواهب، ودعم الجمعيات الثقافية والفنية، وفتح المجال أمام الشباب والمثقفين والمبدعين المحليين.
ومن ثم، فإن الانشغال بمصير التعيين ينبغي ألا يحجب الغاية الأساسية من وجود المؤسسة: خدمة الثقافة والارتقاء بالحياة الثقافية بالمدينة.
فالمركز الثقافي ليس امتيازاً إدارياً يُختزل في شاغل منصبه، ولا مجالاً لتصفية الحسابات أو تبادل الرسائل غير المباشرة. إنه مرفق عمومي، ونجاحه مسؤولية مشتركة تتطلب إدارة واضحة الصلاحيات، وبرنامج عمل ملموساً، وتدبيراً منفتحاً على الكفاءات والفعاليات المحلية.
ومن حق ساكنة سيدي قاسم أن تعرف وفق أي معايير تُسند المسؤوليات في مؤسساتها الثقافية، ومن واجب الجهات المعنية أن تضمن استمرارية المرفق العمومي بعيداً عن الارتباك الإداري.
الحكامة الجيدة تبدأ بالوضوح والمساءلة
سياسياً ومؤسساتياً، لا يمكن بناء الثقة في الإدارة العمومية من دون ترسيخ مبدأين أساسيين: ربط المسؤولية بالمحاسبة، والاحتكام إلى الوثيقة الرسمية بدل ترك المجال مفتوحاً للتأويلات.
إذا كان قرار التعيين قد صدر عن جهة لا تملك الاختصاص القانوني، فمن واجب الإدارة توضيح ذلك، وبيان المسطرة الصحيحة والإجراءات التي ترتبت على الأمر. وإذا كان المعني بالأمر يستند إلى وثائق إدارية يعتبرها أساساً لمشروعية وضعيته، فمن حقه أن تُدرس هذه الوثائق وفق القانون، وأن يتلقى جواباً إدارياً واضحاً ومعللاً.
وفي الحالتين، لا ينبغي أن يتحول الخلاف الإداري إلى حكم مسبق على الكفاءة المهنية أو النيات الشخصية لأي طرف.
إن قوة المؤسسات لا تظهر في قدرتها على إصدار القرارات فقط، بل في قدرتها أيضاً على تفسيرها، وتصحيحها عند الاقتضاء، وضمان حقوق المعنيين بها، مع حماية المصلحة العامة.
المطلوب اليوم: توضيح رسمي يحسم الجدل
إن إنهاء هذا الجدل لا يحتاج إلى مزيد من التأويلات، بل إلى توضيح مؤسساتي دقيق يجيب عن أسئلة محددة: ما طبيعة القرار الذي صدر بشأن عبد اللطيف نحيلة؟ هل كان تعييناً أم إلحاقاً إدارياً؟ من الجهة المختصة قانوناً باتخاذ القرار؟ وهل صدر بالفعل قرار رسمي بإلغاء التعيين، وما مضمونه وتاريخ تبليغه إن وُجد؟
الإجابة عن هذه الأسئلة كفيلة بإعادة النقاش إلى مساره القانوني والإداري، وتجنب تحويل قضية محلية إلى مواجهة شخصية لا يستفيد منها أحد.
كما أن وزارة الشباب والثقافة والتواصل، باعتبارها الجهة الوصية على القطاع، مدعوة إلى توضيح المسطرة المعتمدة في مثل هذه الحالات، بما يضمن تكافؤ الفرص، وشفافية إسناد المسؤوليات، واحترام الاختصاصات داخل الإدارة.
خاتمة: هيبة المؤسسة فوق الأشخاص
إن قضية المركز الثقافي الجديد بسيدي قاسم ينبغي أن تكون مناسبة لمراجعة طريقة تدبير المسؤوليات الثقافية، لا مناسبة لإطلاق الأحكام أو تبادل الاتهامات.
فلا عبد اللطيف نحيلة ينبغي أن يكون موضوع إدانة مسبقة دون سند واضح، ولا أي مسؤول إداري ينبغي أن يُعفى من واجب احترام الاختصاصات والمساطر القانونية، وبين حق الموظف في وضوح وضعيته الإدارية، وحق الدولة في تصحيح القرارات غير المطابقة للقانون إن ثبت ذلك، تبقى الوثيقة الرسمية والاختصاص القانوني هما الفيصل.
سيدي قاسم لا تحتاج إلى معركة حول كرسي المدير بقدر ما تحتاج إلى مركز ثقافي فاعل، وإدارة شفافة، وقرارات واضحة، ومؤسسات تحترم القانون وتضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
فحين تتضح المساطر، تُصان الحقوق، وحين تُصان الحقوق، تستعيد المؤسسات ثقة المواطنين. أما الثقافة، فلا ينبغي أن تكون ضحية أي ارتباك إداري، لأنها حق للمجتمع ومسؤولية على عاتق الدولة.

تعليقات الزوار 0
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق على هذا المقال.