هولندا | رشيد بخوش

من منصة أصيلة، يعود السؤال العربي الكبير إلى الواجهة: كيف يمكن بناء نموذج سياسي ومؤسساتي قادر على تحقيق الاستقرار ومواكبة التحولات، دون التفريط في الخصوصية التاريخية والحضارية؟

في سياق إقليمي ودولي تتسارع فيه التحولات، وتتزايد فيه الأسئلة حول مستقبل الدولة والمجتمع في العالم العربي، تكتسب مداخلة عبدالله بوصوف، الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج، ضمن المنتدى الثقافي لأصيلة، في ندوة “العرب في أفق 2030″، بمحور “العرب إلى أين؟”، أهمية تتجاوز حدود النقاش الفكري العابر، لتفتح باب التأمل في طبيعة النماذج السياسية والمؤسساتية القادرة على الاستمرار والتجدد.

ومن خلال استحضار التجربة المغربية ونظام إمارة المؤمنين، باعتباره أحد المكونات التاريخية والمؤسساتية للدولة المغربية، يبرز سؤال جوهري: هل تكمن بعض الإجابات عن أزمات العالم العربي في إعادة قراءة تجاربه التاريخية، والبحث عن عناصر القوة والاستمرارية فيها، بدل الاقتصار على استيراد نماذج جاهزة أو إعادة إنتاج مشاريع لم تتمكن من تحقيق أهدافها على المدى الطويل؟

من إخفاق المشاريع إلى سؤال الاستمرارية

على امتداد أكثر من قرن، عرف العالم العربي تحولات فكرية وسياسية عميقة، تعاقبت خلالها مشاريع متعددة، من الإصلاح الديني والتيارات القومية إلى الحركات الإسلامية والاتجاهات اليسارية، وقد حملت هذه المشاريع تصورات مختلفة للنهوض والتغيير، لكنها واجهت، بدرجات متفاوتة، تحديات مرتبطة ببناء المؤسسات، وتدبير الاختلاف، وتحقيق التوافق، والتكيف مع التحولات الداخلية والدولية.

ولم تكن الإشكالية دائمًا في الأفكار التي طرحتها هذه المشاريع، بل في قدرتها على التحول إلى مؤسسات مستقرة، وفي مدى نجاحها في بناء علاقة متوازنة بين الدولة والمجتمع، وبين المرجعيات الفكرية ومتطلبات الواقع.

من هنا، تبرز أهمية السؤال الذي يطرحه عنوان الندوة: “العرب إلى أين؟”، فهو لا يتعلق بتحديد وجهة مستقبلية فحسب، بل يستدعي مراجعة المسارات السابقة، وفهم أسباب تعثر بعض التجارب، واستكشاف الشروط التي تسمح ببناء مشروع قابل للاستمرار، لا يرتبط نجاحه بمرحلة أو جيل أو ظرف سياسي بعينه.

التجربة المغربية.. الاستمرارية في مواجهة التحولات

إن استحضار نظام إمارة المؤمنين في هذا النقاش يسلط الضوء على إحدى الخصوصيات التاريخية للمغرب، حيث تداخلت المرجعية الدينية مع البناء السياسي للدولة، ضمن مسار طويل عرف تعاقب الأسر الحاكمة وتغير السياقات الإقليمية والدولية.

وتتيح هذه التجربة مجالًا لدراسة العلاقة بين الشرعية التاريخية، واستمرارية المؤسسات، والقدرة على التكيف مع التحولات، كما تطرح أسئلة بشأن دور الخصوصية الوطنية في بناء نموذج سياسي يحافظ على عناصر من هويته، وفي الوقت نفسه يستجيب لمتطلبات كل مرحلة.

غير أن القيمة التحليلية لهذه التجربة لا تكمن في تقديمها بوصفها وصفة جاهزة لجميع البلدان العربية، ولا في افتراض أن ما نجح في سياق وطني يمكن نقله آليًا إلى سياقات أخرى، فلكل دولة تاريخها وتركيبتها الاجتماعية ومؤسساتها وتوازناتها الخاصة.

إن المقاربة الأكثر عمقًا هي النظر إلى التجربة المغربية باعتبارها موضوعًا للدراسة والمقارنة، واستكشاف ما يمكن أن تقدمه من دروس في تدبير العلاقة بين الديني والسياسي، وصيانة التعدد، وتعزيز الاستمرارية المؤسساتية، والتفاعل مع المتغيرات.

ماذا يريد عبدالله بوصوف إيصاله إلى العالم العربي؟

يمكن قراءة استحضار بوصوف للتجربة المغربية باعتباره دعوة إلى توسيع النقاش حول مستقبل المنطقة، والانتقال من البحث عن مشروع فكري جديد في كل مرحلة إلى التفكير في الشروط التي تجعل المشاريع قادرة على الاستمرار وتحقيق نتائج ملموسة.

فالتحدي العربي لا يرتبط فقط باختيار المرجعية السياسية أو الفكرية، بل يشمل أيضًا بناء مؤسسات تحظى بالثقة، وتطوير آليات فعالة لتدبير الاختلاف، وتحقيق التوازن بين الاستقرار والإصلاح، وبين الخصوصية الوطنية والانفتاح على التجارب الإنسانية.

ومن هذا المنطلق، فإن الرسالة التي يمكن استخلاصها من هذا الطرح تتمثل في أن التاريخ ليس مجرد سجل للماضي، بل مجال لفهم عوامل النجاح والتعثر، واستخراج الأسئلة التي تساعد المجتمعات على التفكير في مستقبلها بواقعية أكبر.

لكن الاستفادة من التاريخ تقتضي أيضًا قراءة نقدية لا تكتفي بالاحتفاء بعناصر الاستمرارية، بل تبحث في كيفية تطوير المؤسسات، والاستجابة لتطلعات المواطنين، وضمان الحقوق، وتحقيق التنمية، وتعزيز المشاركة والثقة العامة.

فالاستقرار المستدام لا يقوم على الاستمرارية وحدها، وإنما يحتاج إلى القدرة على الإصلاح والتجدد، كما أن التغيير لا يحقق أهدافه بمجرد إعلان القطيعة مع الماضي، بل بقدر ما يستطيع بناء بدائل مؤسساتية قابلة للحياة.

من الخصوصية المغربية إلى أفق عربي مشترك

تكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في مرحلة تتطلع فيها المجتمعات العربية إلى آفاق 2030، وسط تحديات اقتصادية واجتماعية وجيوسياسية متشابكة، فالمطلوب ليس توحيد التجارب السياسية العربية أو فرض نموذج واحد عليها، بل فتح نقاش جاد حول القواسم التي يمكن أن تدعم الاستقرار والتنمية، مع احترام خصوصية كل دولة واختيارات مجتمعها.

وقد يكون أحد الدروس الأساسية في هذا السياق هو ضرورة التمييز بين استلهام التجارب واستنساخها، فالاستلهام يعني دراسة السياقات والآليات والنتائج، ثم تحديد العناصر القابلة للتكييف مع الواقع المحلي؛ أما الاستنساخ فيتجاهل اختلاف التاريخ والمؤسسات، وقد ينتهي إلى نتائج مغايرة لما كان مأمولًا.

وبهذا المعنى، لا ينبغي أن يتحول النموذج المغربي إلى عنوان للمفاضلة بين الدول أو التجارب، بل إلى مدخل لحوار عربي حول كيفية بناء مؤسسات قادرة على الاستمرار، وتدبير التنوع، ومواكبة التغيرات، وتحويل الاستقرار إلى قاعدة للإصلاح والتنمية.

سؤال الجاليات أيضًا.. كيف نبني مؤسسات تجمع ولا تفرق؟

وبالنسبة إلى الجاليات المغربية والعربية المقيمة بالخارج، فإن النقاش حول الاستمرارية المؤسساتية يكتسب بُعدًا إضافيًا، فالحفاظ على الروابط الثقافية والوطنية، وتعزيز المشاركة في الحياة العامة، ومواكبة الأجيال الجديدة، كلها تحديات تحتاج إلى مؤسسات قادرة على الإنصات والتجدد والتكيف مع بيئات متعددة الثقافات.

ولا يتحقق ذلك بمجرد استحضار الهوية أو التاريخ، بل يتطلب تحويلهما إلى عمل مؤسساتي ملموس، يستجيب لانتظارات الجاليات ويعزز الثقة والتواصل والمشاركة.

ومن هنا، يمكن توسيع السؤال الذي طُرح في أصيلة ليشمل المؤسسات المعنية بالمغاربة المقيمين بالخارج: كيف يمكن الجمع بين الحفاظ على الروابط الوطنية والانفتاح على مجتمعات الإقامة؟ وكيف يمكن الانتقال من تمثيل الجاليات إلى بناء قنوات فعالة للحوار والمشاركة والاستجابة لتطلعاتها؟

إنها أسئلة تضع الاستمرارية أمام اختبار التجدد، وتؤكد أن قوة أي مؤسسة لا تقاس بتاريخها وحده، بل بقدرتها على أداء رسالتها والاستجابة للتحولات.

المستقبل لا يُبنى باستنساخ الماضي

إن مداخلة عبدالله بوصوف، كما يتيح سياقها قراءتها، تعيد الاعتبار إلى سؤال أساسي في التفكير السياسي العربي: كيف يمكن الاستفادة من التجارب التاريخية في بناء مستقبل أكثر استقرارًا وقدرة على التجدد؟

والجواب لا يكمن في البحث عن نموذج مثالي جاهز، ولا في استنساخ تجربة وطنية بعينها، بل في دراسة عناصر القوة والحدود في التجارب المختلفة، وتطوير مؤسسات تستمد شرعيتها من قدرتها على الاستجابة لمجتمعاتها، وتحقيق التوازن بين الاستقرار والإصلاح.

لقد ظل سؤال “العرب إلى أين؟”، حاضرًا عبر عقود طويلة، وربما لم تعد الحاجة اليوم إلى إجابة أيديولوجية جديدة بقدر ما هي حاجة إلى نقاش مؤسساتي عميق، يربط التاريخ بالحاضر، والهوية بالمواطنة، والاستقرار بالتنمية، والخصوصية بالانفتاح.

فالمستقبل العربي لن يُحسم بمجرد اختيار الشعارات، بل بقدرة الدول والمجتمعات والجمعيات والمؤسسات والتواصل على تحويل دروس التاريخ إلى مؤسسات فعالة، ومشاريع واقعية، ورؤية تستوعب التغيير دون أن تفقد بوصلتها.